بالحب يغزو قلبها لهذا الشاب القويّ الأمين الذي يمتلئ أخلاقا وعفّة وإيمانا ، وخافت أن يفارقها ، وربما شعر أبوها بذلك ، وبأن هذا الشاب قد يريد الزواج كأيّ شاب في مثل عمره ، وقد يحقق له ذلك طمأنينة وراحة. وهكذا ابتدرت البنت أباها بهذا العرض الذي يخفف إحراج الجميع ويحل مشكلة الموقف مما قد يكون فكّر به موسى أنه لا يمكن أن يبقى ضيفا إلى ما لا نهاية ، وأن الخروج من هذا المكان قد يوقعه بالتّيه.
(قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) فنحن بحاجة إلى من يلي أمورنا ويدبّر أوضاعنا ، وليس للمرأة أن تلي ذلك في مجتمعنا ، مهما كانت قوّتها ، لأن ذلك يخلق لها مشاكل كثيرة في علاقاتها العامة والخاصة. وقد عرفنا في هذا الشباب القوّة والأمانة اللتين تؤهلانه أن يكون في مستوى المسؤولية في ما نحتاج إليه ، في ظروفنا هذه ، فهو شاب قوي يقوم بالمهمة الصعبة في إدارة شؤوننا ، وأمين يحفظ أمانة المال والكلمة والسرّ والعرض (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) الذي يتمناه كل أصحاب المهمّات والأعمال.
(قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ) فهذا هو المهر الذي تقدّمه للزواج بمن تختارها منهما ، فتقيم بيننا وتصلح أمورنا بقوّتك وأمانتك ، (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ) كزيادة تمن بها علينا ، من دون أن تكون شرطا منا عليك ، بل تكون على سبيل التبرّع ، (وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) بما أعرضه عليك من ذلك ، ولك حرية الاختيار في القبول وعدمه ، وسأحقق لك كل ما ترغبه من الوفاء والحفظ والرعاية ، انطلاقا من روحية الإيمان في ذاتي ، وأخلاقية الصلاح في عملي ، و (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) الذين يوفون بالعهد ويرعون الذمام. واستجاب موسى لذلك ، وفرح به ، فهذا هو العرض الذي يمنحه الاستقرار في السكن ، والأمن في الموقع ، والراحة في الزواج ، وذلك هو أقصى ما يتمناه في وضعه الحاضر.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
