والعدل والظلم ، ولذلك أراد الله للناس أن يتمثلوه بتفاصيله ، ليأخذوا منه الفكرة والتجربة وحركة الرسالة في الواقع من موقع الحق ، لا من موقع الخيال القصصي الفارق في الضباب (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) إذ يواجهون التاريخ بوعي الإيمان ، فيأخذون منه العبرة ، ويستفيدون من درس الماضي لحركة الحاضر والمستقبل. ولذلك كانت التلاوة لهم ، في الوقت الذي يريد الله للناس كلهم أن يسمعوها ويفكروا فيها ، لأنهم ـ وحدهم ـ الذين يحملون مسئولية الكلمة في ما يسمعونه أو يقرءونه منها.
* * *
فرعون الطاغية
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ) بما كان يعيشه في ذاته من عقدة الاستعلاء والاستكبار على الناس ، من خلال الامتيازات العائلية التي كان يملكها ، والأموال التي كان يحويها ، والجماعات التي كانت تحيط به وتتزلف إليه ، وتقدم له الطاعة والولاء ، مما جعله يشعر بنفسه ، كربّ أعلى لهم ، لأنه لم يجد صوتا يرتفع في مواجهته ليقول له : «قف مكانك ، ولا تتعدّ حدودك ، واخشع لربك الذي خلقك وأنعم عليك» ، فامتد في طغيانه ، وابتعد عن الخط المستقيم (وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً) ففرّق كلمتهم ، ومزّق وحدتهم ، وأثار النزاع والخلاف بينهم على مستوى علاقات الأفراد ، من خلال المصالح والأطماع الذاتية ، وعلى مستوى علاقات الجماعات ، عبر الأوضاع العائلية والامتيازات الطبقية وغير ذلك ، مما جعل المجتمع مستغرقا في مشاكله وخلافاته ، مشدودا إلى الآفاق الصغيرة التي تحيط به ، مبتعدا عن قضايا المصير المتمثلة بالإنسانية والحرية والعدالة .. ، خاضعا للقوّة المستعلية المستكبرة التي يعمل على الخضوع لها ، لتتدخل في شؤونه ، ولتتحكم في حياته. وهذا هو أسلوب الطغاة في كل زمان ومكان في إحكام سيطرتهم على الشعوب ، بالعمل على
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
