وهكذا كانت هذه الآية حركة في المسيرة القرآنية التي توصل خطوط العقيدة في الواقع الذي كانت تعيشه الدعوة في خط الإيمان والكفر ، وربما كانت الاختلافات المذكورة اختلافات في الاجتهاد في تطبيق الآية على هذا أو ذاك ، أو هذه الجماعة أو تلك ؛ والله العالم.
* * *
تحرّي جوانب الخير في أهل الكتاب
وينطلق القرآن في ساحة الصراع الفكري والعملي بين أتباع الديانات السماويّة ، ليؤكّد حقيقة ثابتة في مجال الدعوة إلى الله ، وهي الابتعاد عن خط اليأس من تغيير الواقع عند ما نواجه الكثيرين ممن يتعصبون لفكرهم ويخالفون فكرنا ويحاربونه ويتعصبون ضدّه ، فقد نخضع في مثل هذه الحالة إلى حالة نفسيّة سيّئة ضاغطة تجعلنا نفكر بعدم الجدوى في الحديث مع هؤلاء عن الإسلام ومفاهيمه وأحكامه ... ويريد القرآن أن يوحي إلينا بأن لا نيأس ولا ننهزم ، بل يجب أن نتابع الطريق حتى نهاياته ، ونؤمن بأن هناك جانبا طيّبا في نفس كل إنسان يمكن أن يلتقي بالحقيقة ، فيؤمن بها ويتحرك معها ، فلا بد لنا من أن نلاحقه ونستثيره ، ونصرّ على التعامل معه ، فلا نهزم أنفسنا ومواقفنا قبل أن ندخل في المعركة ، بل نتابع المسيرة لنلتقي بالجانب الطيب الإنساني الذي يلتقي بالإيمان في دعوتنا إلى الله.
وربما يحتاج العاملون للإسلام أن يتعاملوا مع هذه الحقيقة في مجال الدعوة ، في المجتمعات الضاغطة التي تخضع للسيطرة ـ شبه المطلقة ـ لبعض الاتجاهات غير الإسلامية ، مما يوحي بأن القضية ميؤوس منها على مستوى الحاضر والمستقبل. فقد يبدو لنا أن مثل هذا التفكير ينطلق من دراسة المستقبل على أساس طبيعة الأمر الواقع في الحاضر ، فيتصور المستقبل في أجواء الحاضر ، ولكن هذا الاتجاه خاطئ في المجال العملي ، لأن قضية النصر في أيّة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
