صورة الكافرين في القرآن
وتنطلق هذه الآية في هذا الاتجاه. (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) فقد يخضع الإنسان للشعور بالانسحاق أمام القوّة الكبيرة المتمثلة في حركة الكافرين ، عند ما يفتحون بلدا أو يحكمون آخر ويسيطرون على شعب من الشعوب ، وقد يغرّه ذلك ، فيمتد معهم في ما لا يستحقونه ، ويستسلمون له استسلام الأمل الكبير للفرص الخالدة الممتدة المتعاظمة أمامهم ، التي توحي إليهم بالكثير من الأطماع والشهوات ، فيستريحون إلى ذلك كله في ما ينتظرهم من مستقبل الأيّام الطويلة ... ولكن القرآن يريد أن يربطهم بواقع الأشياء ويبعدهم عن الأجواء الخياليّة المتحركة بالأحلام الضبابيّة ؛ فلكل واحد منهم عمر محدود وطاقة محدودة ، ولكلّ واحد منهم نقاط ضعف في ذاته وفي حكمه. إنهم مجرد مرحلة في حياة الأمة ، قد تتسع وقد تضيق ، وقد تمتد وقد تنكمش ... ولكنها سوف تنتهي في وقت قصير (مَتاعٌ قَلِيلٌ).
وماذا بعد ذلك؟ ما قيمة ذلك كله؟ إن العاقبة الوخيمة تنتظرهم هناك عند ما يفارقون هذه الدنيا ، فسيفقدون كل هذه العظمة الفارغة ويتحوّلون إلى غذاء شهيّ للنار ، تماما كما هي الأخشاب والهشيم ... (ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ) فذلك هو مأواهم ومصيرهم السيّئ وبئس المهاد. إنه الدور النفسي الذي يستهدف تفريغ داخل الإنسان من التأثيرات النفسية المنبهرة بمظاهر العظمة المحيطة بهم ، فما قيمة ذلك كله في نطاق إدراكنا بأن هؤلاء الكافرين يعيشون الحياة كمتاع؟ مجرّد متاع؟ فقد لا يكون لهذه النظرة السلبية في داخلنا ضدهم تأثير على القوى الطاغية والباغية بشكل فوري حاسم ، ولكنه يترك الأثر الإيجابي للمستقبل ، لأن الصّراع بين المستكبرين والمستضعفين ، في حركة الصراع بين القوة والضعف ، لا تحكمه القوى الماديّة فقط ، بل تتدخل فيه القوى النفسية.
فإن هناك عنصرين يساهمان في هزيمة الضعفاء أمام الأقوياء وهما : عنصر
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
