والضياع ، فذلك هو النهج الذي يمكن أن يكون آية للعقول التي تفكر في كل ما حولها ومن حولها ، ولأصحابها الذين لا يتحركون في الحياة ولا يحكمون على الأشياء سلبا أو إيجابا إلّا من خلالها ؛ وبهذا يلتقي العلم والدين في وجود الله ، وفي تكامل الإنسان من خلال هذا الوجود ، على أساس النتائج التي يتوصل إليها في أبحاثه ودراساته ، لأن الدين لا يدعو إلى الإيمان الأعمى ـ في ما يدعو إليه من إيمان ـ بل يعمل على خط الإيمان المنفتح الواعي المبنيّ على التفكير والتحليل الدقيق.
وفي ضوء ذلك ، نستوحي الفكرة التي تنطلق لتؤكد احترام الإسلام للعقل في ما يريد له أن يقوم به من أدوار تتصل بالعقيدة الأساس فيه. فلو لا ثقته بالعقل في ما يحلل وما يستنتج لما اعتبره السمة للناس الذين يتحركون في اتجاه اكتشاف الحقيقة ، ليوحي إليهم بأن عظمة الإنسان في عقله ، كما أن عظمة العقل في حركته في معرفة الحق من دراسته الفطرية للكون الواسع من حوله ، في ما يحيط به ، وفيمن يحيطون به ... فإذا كان العقل هو القاعدة الأساس في أصل العقيدة ، فكيف يمكن أن ينسب إلى الدين انطلاقه من الخرافة والأسطورة والخيالات المثاليّة التي لا ترجع إلى قاعدة ولا تعود إلى محصل؟ إن أولي الألباب لا ينطلقون في عقائدهم إلّا من خلال ألبابهم وعقولهم التي تلاحق الظاهرة الكونية في عملية حساب ، كما تلاحق الظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ربطها بأسبابها وأوضاعها ، لتكون العقيدة محسوبة ، كما يكون الواقع العملي محسوبا في مقدماته ونتائجه.
وليست العقيدة بالله في شخصية الإنسان المؤمن حالة ذهنية مترفة مجرّدة ، بل هي حالة فكريّة واقعية ترتبط بالله لتحس به في حركة الفكر والشعور ، كما لو كان ماثلا أمامها في الحسّ والصورة ؛ ولهذا فإنها تشعر به يحيط بها من جميع جوانبها وفي جميع حالاتها ، مما يجعلها تذكره في كل صعيد ومع كل وضع.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
