وفي الرواية الثانية : دلالة على أن الآية لا تنغلق على الناس الذين عاشوا في عهد الدعوة الأول ، ولو كانت قد نزلت فيهم ، بل هي منفتحة على كل السالكين في هذا السبيل الجهادي والعملي في خط الإسلام ، لأنه لا خصوصية ـ من حيث المبدأ ـ للمرحلة الأولى إلا من خلال أفضلية الموقف في عناصره القيميّة بعيدا عن الزمن في خصوصياته ، فقد يكون المتأخرون متميزين ببعض الخصائص التي تميزهم عن المتقدمين ، وقد تكون مرحلة التأسيس أكثر غنى في بعض عناصرها من المراحل التالية بلحاظ قسوة الاضطهاد التي عاشها المسلمون في بداية الدعوة.
* * *
العقل هو المنهج الأصيل لاكتشاف الحقيقة الإلهية
ما هو المنهج الأصيل الذي يمكن للإنسان أن يكتشف به الحقيقة في وجود الله ، وفي اللقاء به ، وفي الشعور بعظمته التي تستولي على الفكر والقلب والشعور؟ هل هو الفلسفة في أسلوبها التحليلي الذي يغرق الإنسان معه في الآفاق التجريديّة ، وفي فرضيّاتها التي تقترب من الخيال أو تعيش معه؟
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ). إنّ القرآن يحدّد المنهج في الفكر الذي يلاحق الظواهر الكونيّة في عملية تأمّل وتدبّر وتفكير ، فليس للإنسان أن يحدّق في كتب الفلسفة ، بل عليه أن يحدّق في كتاب الكون ، ليفكر في خلق السماوات والأرض وما يتمثل فيهما من قوانين طبيعية تنظم لهما المسار ، وتربطهما بالحكمة في كلّ الحركات والسكنات والدقائق التي تتعلق بهما ، وليرصد حركة الليل والنهار ، وكيف تختلف في الزيادة والنقصان حسب اختلاف الفصول والأزمنة ، فيعرف أن هناك سرّا عميقا وراء ذلك كله ، فيكتشف أن هناك عقلا واسعا كاملا يخطّط للكون ونظامه ، وإرادة قويّة فاعلة قادرة تسيطر عليه وتوجه حركته وتمسكه وتحفظه من الانهيار
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
