الزيف والنفاق ، لتظل في لعبها وعبثها وعدوانها من دون أن تفقد شيئا من امتيازاتها. ويريد القرآن تعرية هؤلاء أمام الناس ليكتشف الناس أمرهم وواقعهم ، فيبتعدوا عنهم ويحذروهم ، ولا يحقّقوا لهم ما يريدون من الحمد والثناء لئلا يسيئوا للحياة باسم الإحسان ؛ وذلك بالتدقيق في شخصياتهم في ما يختبئ وراءها من خلفيّات ، والالتفات إلى ألاعيبهم في ما يتحركون به من أعمال ، والتأكيد على الموازنة في قضايا المدح بين مدلول الكلمة وصدق الواقع ، على أساس أن يعيش الناس أساليب التقييم من موقع الحق والصدق لا من موقع المجاملة والمداراة ، فإن ذلك هو الكفيل بإبعاد المنافقين عن ساحة الواقع ، لأنها لن تحتضن اللاعبين على الحبال ، بل السائرين على الخطوط الواضحة بقوّة وثبات وإيمان.
وهكذا يتحوّل الموقف من هؤلاء إلى قاعدة صلبة للتعامل مع الناس في مجال العلاقات الإنسانية ، فلا مجال للمدح إلّا من خلال الفعل الذي يقوم به الإنسان في حياته بالحجم الطبيعي من دون تكبير أو تصغير لأن القضية ليست كلمة تقال ثم تتبخّر في الهواء ، بل هي صورة الواقع في صورة الإنسان ، في ما يمثله من قيمة الحقيقة في حركة الحياة في جانبها السلبي أو الإيجابي ، فإن للزيف تأثيرا عكسيا يختلف اختلافا كبيرا عن تأثير الصدق والإخلاص في طبيعة الموقف والإنسان.
وفي ضوء ذلك ، نستطيع أن نجد في هذا النموذج من الناس ، صورة الكثيرين الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، من الشخصيات الدينيّة والسياسية والاجتماعية ، التي تحب أن تعطي لنفسها حجما أكبر من حجمها الحقيقي وتريد للناس أن يطلقوا عليها ألقابا كبيرة لا تتناسب مع دورها الطبيعي في الحياة ، وذلك من أجل أن ترضي زهو العظمة الفارغة في داخل ذواتها ، لتأخذ لنفسها ـ في نظر الناس ـ مركزا بارزا ينسجم مع ما توحيه الألقاب من مشاعر وامتيازات ، من دون أن تقدم للحياة أي شيء في هذا الاتجاه.
إننا نستطيع أن نجد في هؤلاء النموذج المعاصر للصورة التي تريد أن
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
