(حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) فهذا ـ وحده ـ هو الذي يؤكد لنا ارتباطه بالله ، لأن مسألة النبوة من المسائل غير العادية ، باعتبار أنها تمثل علاقة الغيب الإلهي بالشهود البشري في نزول الوحي على فرد من البشر ، مما يفرض على مدّعي النبوّة أن يحصل على شاهد غير عادي متناسب مع طبيعة الحدث والدور ، ولا يبتعد هذا الشاهد المادّي عن حركة التاريخ الرسالي في مسيرة النبوّات ؛ فقد كان الصادق والكاذب يتباهلان في تقديم القربان كما فعل هابيل وقابيل ، فقدّما قربانا (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ) [المائدة : ٢٧] ، وليست القضية التي كانت موضع النزاع بين الأخوين بأكثر خطورة من القضية المتصلة بموضوع النبوّة ، فإذا كنت ـ يا محمد ـ صادقا في دعواك أن الرسالة من الله ، فقدم قربانا إلى الله ، فإذا جاءت النار الإلهية وأكلته كان ذلك دليلا على صدقك ، وكان ذلك وسيلة لإيماننا بك.
* * *
قتل الرسل قبل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم
(قُلْ) ـ يا محمد ـ لهؤلاء الذين يتحدثون بهذا المنطق الذي يرى أنّ مسألة النبوّة في دعوى النبي ، تحتاج إلى دليل حاسم يثبت صدقه. ولكن لماذا هذا التركيز على هذه الوسيلة القربانية كدليل وحيد على ذلك؟! فلما ذا تنكرون بقية الأدلة التي قد تتصل بالجانب العقلي من المسألة كإعجاز القرآن في مورد ، وقد تنفتح على الجانب الغيبي ، كالمعجزات التي قام بها الأنبياء الآخرون ـ ومنهم موسى عليهالسلام ـ في مورد آخر ، ولعل من المهم التأكيد أن النبي موسى لم يأت بقربان تأكله النار كشاهد على صدقه أمام فرعون ، بل كان دليله في معجزة اليد البيضاء وتحوّل العصا إلى ثعبان ... ثم هناك رسل آخرون جاءوا بالقربان الذي أكلته النار للأجيال التي سبقتكم من اليهود (قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ) أي : بالبراهين والأدلة القاطعة من وسائل الإثبات للنبوّة ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
