بنحو المجاز ـ لأن السياق في الآيات التي بعدها لا تتناسب مع ذلك ، ولكنه استيحاء لفضل الله على الإنسان بالعلم بالدرجة العليا التي يتقدم بها على الغذاء المادي.
* * *
علاقة الآية بتجسم الأعمال
وقد حاول بعض المفسرين الذين يلتزمون تجسّم الأعمال في يوم القيامة بالصورة المادية المماثلة لصورتها في الدنيا ، أن يجد في الآية دلالة على هذه الفكرة ، فذكر أن هذه الأموال التي لم يدفع صاحبها الحقوق الواجبة فيها ، ولم ينتفع بها المجتمع ، بل صرفت في سبيل الأهواء الشخصية ، سيكون مصيرها مصير أعمال الإنسان ، أي أنها ـ طبقا لقانون تجسم الأعمال البشرية ـ ستتجسّم يوم القيامة ، وتتمثل في شكل عذاب مؤلم يؤذي صاحبها ويخزيه (١).
ولكننا نرى أن نظرية تجسّم الأعمال انطلقت ـ في أغلب أدلتها ـ من الفهم الحرفي للنص القرآني ، وهو أمر لا يتناسب مع القيمة البلاغية للأسلوب ، التي تنفتح على الاستعارة والكناية والمجاز من خلال القرائن المحيطة بالنص ، كما في هذه الآية ، فإن التطويق بالمال الذي بخلوا به كناية عن حملهم مسئوليته السلبية بإيقاع العذاب بهم لعدم دفعهم لحقوق الله ، وذلك بأن يلزموا وبال ما بخلوا به إلزام الطوق ـ كما جاء في تفسير الكشاف (٢) ـ أو يعود عليهم وباله فيصير طوقا لأعناقهم ، كقوله : (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) [الإسراء : ١٣] ؛ ـ كما عن ابن مسلم ـ قال : والعرب تعبّر بالرقبة والعنق عن جميع البدن ، ألا ترى إلى قوله : (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (٣) ؛ والله العالم.
* * *
__________________
(١) انظر : الشيرازي ، ناصر مكارم ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ، مؤسسة البعثة ، بيروت ، ط : ١ ، ١٤١٣ ه ـ ١٩٩٢ م ، ج : ٣ ، ص : ٢٣.
(٢) انظر تفسير الكشاف ، ج : ١ ، ص : ٤٨٤.
(٣) مجمع البيان ، ج : ٢ ، ص : ٨٩٧.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
