شاء فليكفر ؛ فإذا كانوا قد اختاروا الكفر وتركوا دعوة الله ، فإن الله قد وكلهم إلى أنفسهم وأبعدهم عن رحمته ، ومنع عنهم لطفه ، وحكم عليهم بالضلال بعد اختيارهم له. وهذا هو الذي يؤدي بالنتيجة إلى حرمانهم من كل حظ في الآخرة من نعيم الجنة ومواهب الله في العالم الآخر ، وهذا هو تفسير قوله تعالى : (يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ) فليست القضية قضية إرادة تكوينية تمنعهم من الحصول على فرصة السعادة في الآخرة فلا يملكون معها أيّة إمكانية لذلك ، بل قضية اختيار منهم بعد أن أعطاهم الله فرصة الوصول إلى إيمانه من أوسع الأبواب من خلال ما ركبه فيهم من الإرادة الحرّة التي يتحملون مسئولية قراراتها ، مما يؤدي إلى النتائج السلبية. فإن إرادة الله للأشياء تتصل بإرادة الإنسان في مسئولياته ، فإذا اختار الخير في حركة عمله أعطاه الله الخير في نتائجه ، وإذا اختار الشر فإن الله يريد لهم عند ذلك من موقع إرادته ، أن لا يكون لهم حظ في الآخرة (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ).
وتنطلق الآية الثانية لتؤكد الفكرة في نطاق عامّ شامل يطرح القضية في مستوى القاعدة الكليّة : (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ) في عمليّة اختيار ذاتيّة ، لم تفرضها عليهم شبهة فكريّة ، بل كانت نتيجة حالة نفسية مرضيّة معقدة ، فقد باعوا الإيمان بالكفر واستبدلوه به بعد وضوح الحق لديهم ، (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً) بل يضرون أنفسهم في ما يفقدونه من نعمة الإيمان الذي يفتح آفاق الإنسان على كل المعاني الطيّبة في الحياة ، ويوحي له بكل الأفكار الطاهرة المنفتحة التي تثير فيه مشاعر السموّ والخير والانطلاق ... وماذا بعد ذلك؟ إن الإضرار بأنفسهم لن يقتصر على الجانب السلبي ، بل هناك الجانب الإيجابي الذي يتمثل فيه العذاب الأليم (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) بما اختاروه لأنفسهم من الكفر والعصيان.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
