القصوى للمؤمنين التي عاشها المؤمنون من خلال نعمة الله وفضله عليهم ، (وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ) في ما يأمرهم به من الوقوف مع رضوانه في مواقع الجهاد ، (وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) في ما أعطاهم من قوّة الموقف من خلال قوّة الإيمان ، فلم يستطع الناس أن يهزموهم بالكلمة ، كما لم يستطيعوا أن يهزموهم بالفعل. وذلك هو فضل الله على عباده في ما يفيض عليهم من نعمة القوّة الروحية التي لا تقف عند حدّ.
(إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) فليس الخوف الذي يحدث للإنسان إلا من خلال تسويلات الشيطان الذي يوحي له بالمشاعر السلبيّة ، التي تعطي الأشياء من حوله صورة غير واقعيّة ، فتضخّم في وعيه القضايا الصغيرة ، وتصغّر القضايا الكبيرة ، وتضع أمامه صورة الموت الذي يلغي أطماعه وشهواته ؛ فيضعف أمام ذلك كله ، ويتضاءل ويصغر ويتراجع عن مواقفه ، وينسحب من مواقع الجهاد الصعب تحت تأثير عامل الخوف الناتج من ذلك كلّه ... وذلك هو شأن أولياء الشيطان يصغون بمسامع قلوبهم لوسوسته. أما أولياء الله فهم الذين لا يرتبطون بالحياة إلا من خلال الإيمان بالله الذي يمسك مقاليدها بيده ، ويحرّكها بقدرته ، ويضع خططها بحكمته ، فهو الذي ينفع ويضر ، وهو الذي يحيي ويميت وإليه المصير ... وليست الحياة الدنيا نهاية المطاف ، ليسقطوا أمام صورة النهاية في صورة الموت ، بل هي بداية لحياة جديدة أخرى.
ولهذا فإن الموت لا يمثّل حالة سلبية في عمق الشعور الإنساني المطيع لله ، بل يحدث له حالة عكسيّة من الشعور الإيجابي بالشوق للقاء الله للحصول على رضوانه ونعيمه في الدار الآخرة. وهذا هو شعار المؤمنين في المعركة في ما حدّثنا الله عنه في قوله تعالى : (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) [التوبة : ٥٢] ؛ النصر أو الشهادة. (فَلا تَخافُوهُمْ) لأنهم لا يملكون القوّة الذاتية التي تخيف المؤمنين ، (وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بالوقوف أمام حدود الله في الثبات على خط الجهاد وعدم الانهزام أمام تحديات الأعداء ، فإن الإيمان موقف لحساب الله ، وليس كلمة عبارة تنطلق به الشفاه في حالة شعورية سلبية
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
