ولكن هذه الصورة ، ليست من فعل الإيمان بالله واليوم الآخر ، بل هي من فعل الكافرين الذين يقولون كما حدثنا الله في كتابه : (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) [الأنعام : ٢٩] فهم الذين يعيشون العقدة من الموت ومن كلّ ما يقرّبهم إليه أو يربطهم به ، لأنه يمثّل الجدار الذي تتحطم عنده الحياة ، ولا شيء وراء الجدار غير الظلام الأبديّ الذي لا يوحي بأيّة إشراقة من نور ولو من بعيد ...
إنها الماديّة التي تخنق في الإنسان الشعور الحيّ بامتداد الحياة الأبديّة في حياته حتى ما بعد الموت ، وبذلك يفقد الإنسان حيويّة الاندفاع إلى ساحة الموت من خلال الرغبة الذاتية التي تتعامل فيها الذات مع طبيعة الأشياء ، أمّا الذين يندفعون منهم للقتال من خلال المبادئ الوطنية وغيرها ، فهم لا يزالون يتحركون بفعل الرواسب الروحيّة التي تعيش في أعماقهم ، وتحرّك دوافعهم لا شعوريا ، وربما يوحون لأنفسهم في بعض الحالات بحياة أخرى هي حياة الذكر الخالد بعد الموت ، أو حياة أمتهم من خلالهم ، ولكنها أوهام خادعة على أساس التفكير الماديّ الذي لا يحسّ الإنسان معه بأيّ شيء من هذا القبيل بعد الموت ، فما معنى أن يعمل له ليعيش من خلاله؟!
* * *
نظرة إسلامية للشهادة
إن هذه الصورة هي صورة التفكير المادي في فكر الذين يؤمنون به. أمّا الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ، فإنّ الصورة عندهم تختلف كثيرا ، فها هي الحياة تتفجر من جديد بعد الموت ، فليس الموت إلا سفرا كما هو السفر الذي يمثل الانتقال من جوّ إلى جوّ آخر ، ومن مرحلة إلى مرحلة أخرى ، وفي هذه الحياة شقاء وسعادة ، وفرح وألم ، وجحيم ونعيم ... ولكن ذلك كله يمثل نتاج الحياة الأولى في ما عمله الإنسان من خير أو شر (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة : ٧ ـ ٨].
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
