فليست المسألة عقلائية يتحرك بها منطق العقل ، فإن المسلمين قد وقفوا في موقع غير مناسب لحركة المعركة ، ونقطة غير ملائمة.
ومهما كان المعنى ، فقد كان موقفهم موقف الاعتذار والتعلل بالأعذار الواهية التي تبرر تخلّفهم حتى لا ينكشف أمرهم في نفاقهم الداخلي ، فلم تكن المسألة كما تصوروها أو شرحوها ، بل كانت حربا حقيقية انتصر المسلمون في بداياتها من خلال أخذهم بأسباب النصر ، مما يوحي بأن توازن القوى كان لمصلحة المسلمين ، فلم ينهزموا من قلة عدد أو من عدم توازن الموقف والموقع ، بل كانت هزيمتهم من مخالفتهم للخطة الموضوعة ، واندفاعهم في الطمع الدنيوي الذي دفعهم إلى التخلي عن مراكزهم الحيوية. (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ) إذ ظهرت حقيقتهم في ارتباطهم بواقع الكفر ، وذلك من خلال موقفهم وكلامهم التبريري الذي يفصح عن عقيدتهم المنحرفة ، لأنه لا ينطلق من حجّة مقبولة ، وواقع معقول ، فكانوا ـ مع الكافرين ـ في الموقع والموقف ، بينما كانوا ـ في الماضي ـ أقرب إلى المؤمنين في مواقف الإيمان التي كانوا يتظاهرون بها خداعا ونفاقا ، (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) فهم يتكلمون كلام المؤمنين ، ويعتقدون عقيدة الكافرين ، فلا يتجاوز إيمانهم مخارج الحروف في أفواههم ، فليس للقلوب حصّة منه ، وذلك هو شأن المنافقين الذين يظهرون غير ما يبطنون ، أما المؤمنون فهم الذين تلتقي الكلمة عندهم في اللسان بالإيمان في الجنان ، والقرآن في ذلك يؤكد هويتهم الحقيقة. فليست القضية لديهم قضية الانحراف العملي ، بل هي الانحراف في العقيدة ، لأن كلمات الإيمان وأساليب التبرير التي يبررون بها مواقفهم لا تمثل الواقع الداخلي عندهم ، فهي مجرد كلمات لا تعبّر عما في النفس من قريب ولا من بعيد ، فإن الله يعلم ما يكتمون في قلوبهم من كفر ونفاق. (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ) لأنه المطلع على أسرار خلقه ، فلا يخفى عليه شيء مما يبطن هؤلاء المنافقون في قلوبهم ويكتمونه عن الناس.
ويتابع هؤلاء المنافقون عملية الإيحاء بالأفكار السلبية التي تملأ نفوس
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
