كلمة (ادْفَعُوا) التي تتضمن معنى الدفع النفسي والعملي بالوسائل المتنوعة التي قد تتفادى القتال لتحقق النتائج بدونه.
وقد جاء في تفسير الكشاف ، عن سهل بن سعد ، الساعدي ـ وقد كفّ بصره ـ أنه قال : «لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر من ثغور المسلمين ، فكنت بينهم وبين عدوّهم ، قيل : وكيف وقد ذهب بصرك؟ قال : لقوله : (أَوِ ادْفَعُوا) أراد كثروا سوادهم» (١).
وهكذا نرى أن هذا الصحابي الجليل قد فهم آفاق الآية بطريقة واقعية على أساس تنوّع الوسائل في الصراع ، ليكون من بينها ـ بالإضافة إلى القتال ـ حشد القوة الجماهيرية العددية للمسلمين أمام العدو ، ليشعر بثقل القوّة في ميدان المواجهة ، فيمنعه ذلك من الهجوم أو يدفعه إلى التقهقر. وهذا ما يمكن لنا استيحاؤه في إطلاق شعارات الوحدة بين المسلمين أمام التحديات الكبرى للكفر والاستكبار ، لتكون مظهر صلابة وقوّة في الساحة.
(قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لَاتَّبَعْناكُمْ) وهذا هو المنطق التبريري الذي يحاول أن يجد عذرا ـ في موقع العذر ـ فهم يتحدثون عن تصوّرهم بأن المعركة سوف تنتهي سلميّا بالطريقة الحاسمة التي لا تنفتح على قتال ، مما لا يجعل هناك حاجة لوجودنا معكم ، فليست القضية قضية انفصال عن مسئولية المسيرة الإسلامية بل هي قضية فقدان الضرورة الواقعية لكثرة المقاتلين ، فلا يكون البعد عن المعركة خطيئة أو مشكلة سلبية. وربما فسّر البعض كلام المنافقين ، أنهم قالوا : لو أننا كنا نعتبر أن المسألة مسألة قتال بينكم وبين العدو بحيث يمكن لكم أن تحققوا النصر عليه ، مع احتمال أن يحقق النصر عليكم لاتبعناكم ؛ ولكننا في دراساتنا للواقع نجد أن حركتكم حركة انتحارية ، لأن موازين القوى وشروط المعركة لم تتوفر لديكم ، بل كنتم كمن يلقي بنفسه إلى التهلكة ،
__________________
(١) تفسير الكشاف ، ج : ١ ، ص : ٤٧٨.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
