الأولى للمعركة. وبهذا واجهوا الدعوة إلى الخروج للقتال في سبيل الله والدفاع عن المؤمنين ، فقد قالوا : إنهم يعتقدون بأن الموقف ليس موقف قتال ، ولذلك فلا يشعرون بأيّة ضرورة للخروج ، ولو اعتقدوا ذلك لخرجوا ... وقد أرادوا من هذا الأسلوب أن يحققوا نقطتين : إحداهما : تبرير قعودهم عن الخروج ، والأخرى : الإيحاء للمسلمين باتخاذ الموقف نفسه ، بتبريد الحماس الإيماني الذي يجيش في نفوسهم ويدفعهم إلى السير نحو المعركة ...
ولكنّ الله يحدّثنا عن طبيعة الموقف ، ليكشف زيف الواقع الذي ينطوون عليه ، فهم للكفر أقرب منهم للإيمان ، لأن الإيمان ليس كلمة تمثّل معنى التقوى والإيمان ، بل هو موقف للتقوى يدفع الإنسان إلى أن يقف عند حدود الله ، فيتحرك حيث يريد منه أن يتحرك ، ويتوقف حيث يريده أن يتوقف. ولعلّ من أوضح مواقف التقوى أن يطيع الله ورسوله في ما يتوجّه إليه من أوامر ونواه ، فلا معنى للإيمان وللتقوى إذا كان الإنسان يتهرب من الاستجابة لله ورسوله في دعوة الجهاد ، ويبرّر ذلك بما يعلم الله أنه غير صادق فيه ، في ما يعلمه الله من داخله. وذلك هو معنى الكفر كموقف ، فإن المظهر العملي للكفر هو الانحراف عن طاعة الله. ولهذا وردت كثير من الآيات التي تعتبر الانحراف العملي كفرا ، لأنه يلتقي مع الكفر في مظاهره. وربما كان من هذه الآيات قوله تعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) ، [آل عمران : ٩٧] ، حيث اعتبر عدم القيام بالحج كفرا ، ويؤكّد هذا التفسير للآية الحديث الوارد عن أئمة أهل البيت عليهمالسلام : «من مات ولم يحج حجة الإسلام ، ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به ، أو مرض لا يطيق الحج من أجله ، أو سلطان يمنعه فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا»(١).
* * *
__________________
(١) البحار ، م : ٣٥ ، ج : ٩٦ ، باب : ٢ ص : ٢٦١ ، رواية : ٧٢.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
