(مِنْكُمْ) أيها المسلمون (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) جمع المشركين وجمع المسلمين في الحرب المستعرة بينهما ، (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ) من خلال حركته في داخل حياتهم لإيقاعهم في الزلّة التي تؤدي بهم إلى السقوط والوقوع تحت تأثير سخط الله ورسوله ، (بِبَعْضِ ما كَسَبُوا) في نفوسهم وأعمالهم من الذنوب الصغيرة أو الكبيرة التي تترك آثارها العميقة في داخل الإنسان من خلال عناصرها السلبية في تحريكها لكل نقاط الضعف الإنساني في كل وضع من أوضاعهم المستقبلية مما يجعل الذنوب تتتابع ، فإن الذنب يجرّ إلى الذنب ، من خلال القاعدة التي يركزها في الذات في الأخلاقية المنحرفة للإنسان ، تماما كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة في الأخلاقية المستقيمة في قاعدة الإيمان في النفس. ما هي العناصر الذاتية الداخلية التي ساهمت في إعراض من أعرض وهزيمة من انهزم؟ هل هي أمور عميقة في داخل الإنسان ، تملي عليه أعماله وتحددّ له خطواته في الحياة ، أو هي حالات طارئة لا تلبث أن تذوب وتتطامى وتهدأ؟ إن الآية تجيب عن هذا التساؤل ، فتثير أمام الإنسان كثيرا من أخلاقه السلبيّة التي اكتسبها بفعل البيئة والنزعة والشهوة ، فقد كسب هؤلاء من خلال أوضاعهم وعلاقاتهم بعض الخصائص في ما يتطلعون إليه من أهداف الحركة في الحياة ، وما يعيشون فيه من اهتمامات ، فقد عاشوا الاهتمام بتحصيل الغنائم كهدف من أهداف المعركة ، كما استسلموا للحياة الدنيا في ما يستريحون إليه من حالات الضعف أمام مطالب الجسد ونوازع النفس الأمّارة بالسوء ، مما أدّى إلى النتيجة الطبيعية المؤلمة في إعراضهم عن الوقوف أمام مسئولياتهم في الدفاع عن المواقع المتقدّمة في خط المعركة امتثالا لأوامر الرّسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في ما وضعه من التخطيط للمعركة ، فكان ذلك سببا في التفاف المشركين على المسلمين وفي حدوث الهزيمة في نهاية المطاف.
وربما نستوحي من خلال ذلك مفهوما إسلاميا تربويا يتصل بحركة الإنسان في خط الاستقامة والانحراف في الحياة ، وخلاصته أن المعصية تنطلق من حالات فكرية أو نفسية يكسبها الإنسان من خلال بعض الأوضاع والأفكار
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
