(وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) الظاهر أن المراد منه جمع الشاهد ، لا جمع الشهيد ـ كما ذكره صاحب تفسير الكشاف (١) ـ وقد تكرر في القرآن الحديث عن أن الله جعل هذه الأمة في موضع الشهادة على الناس : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة : ١٤٣] ؛ أمّا علاقة ذلك بالمعركة ـ التجربة ـ الامتحان ، فهي تعميق الإيمان وتصفيته وتنميته في نفس الإنسان المؤمن ، مما يجعله في مستوى الشهادة التي تحتاج إلى عمق وصفاء وامتداد في الإيمان ...
وربما تنطلق التجربة الصعبة التي تتنوع فيها المشاكل وتتكرر فيها الحلول وتشتد فيها المعاناة ، لتعمل ـ بأجمعها ـ على صنع الإنسان القيادي ، والمؤمن الصلب الواعي المتحدّي الفاعل ، لأن مسألة القيادة ليست مسألة متصلة بالجانب الفكري للإنسان ، بل هي ـ إلى جانب ذلك ـ مسألة مرتبطة بالتجربة الحيّة التي تتحرك في وعي الإنسان في ساحة المعاناة ومواقع الصراع ، وهذا واقع دور الشهادة الذي يطلّ بالإنسان على واقع الأمّة ليرصد كل حركتها الإيجابية أو السلبية في خط الاستقامة أو الانحراف من خلال وعيه الحركي للجانبين معا ، ومعاناته في الإصرار على الموقف الحق في صراع الحق والباطل.
وفي ضوء هذا ، قد نجد معنى الشاهد في الشهادة أقرب من معنى الشهيد ، لا سيما أن الله قد حدثنا في القرآن في أكثر من آية عن الشهداء على الناس ، من دون أن يتحدث عن الشهيد بهذا التعبير في آية واحدة ، بل لم يعهد استعماله في القرآن ، وإنما هو من الألفاظ المستحدثة الإسلامية ـ كما يقول صاحب الميزان ـ مع ملاحظة أخرى ، وهي أن كلمة (وَيَتَّخِذَ) لا تتناسب مع الشهداء بمعنى قتلى المعركة. فقد لا يكون من المألوف أن يقال اتخذ الله فلانا مقتولا في سبيله أو شهيدا كما يقال : اتخذ الله إبراهيم خليلا ، أو اتخذ الله
__________________
(١) انظر : تفسير الكشاف ، ج : ١ ، ص : ٤٦٦.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
