(وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ)
(وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) فإن الإيمان بالله الواحد يكون في العقيدة التوحيدية التي تحرر الإنسان من عبوديته للإنسان الآخر وللأصنام وللظواهر الكونية كالشمس والقمر والكواكب وغير ذلك ، فيبقى ـ في موقع إنسانيته ـ الأصيل الذي يتعامل مع الناس الآخرين ومع الكون كله كتعامل الندّ للند ، والمخلوق مع المخلوق ، في عملية تكامل في خصوصيات الوجود التي تجعل الإنسان يسير في خط الكمال الإنساني الشامل في دائرة النظام الكوني الواسع ، فيعطي الكون من عقله وجهده كما يأخذ منه ، كما يقدم للإنسان الآخر جهده الذي ينتفع به في مقابل ما يأخذه من جهده لحاجته في حياته الخاصة والعامة.
وقد جاء في تفسير الكشاف للزمخشري تعليق على هذه الفقرة : (وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) قال : «جعل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إيمانا بالله ، لأن من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتدّ بإيمانه فكأنه غير مؤمن بالله ، (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً* أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) [النساء : ١٥٠ ـ ١٥١] والدليل عليه قوله تعالى : (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ) مع إيمانهم بالله (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) لكان الإيمان خيرا لهم مما هم عليه» (١).
ونلاحظ عليه هنا أن التعايش ليس في كون الإيمان الكامل في الإسلام هو الإيمان بكل التفاصيل العقيدية والخطوط العامة للإسلام ، إذ أن الآية ليست ـ على الظاهر ـ واردة في مقام الحديث عن التفاصيل ، بل هي ـ والله العالم ـ واردة في مقام بيان النقطتين البارزتين في الخط الإسلامي الذي يلتزمه المسلمون في خطهم العملي : (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) ، باعتبارهما العنوانين لحركية الإنسان المسلم في دوره القيادي ، الذي يجعله في مركز القيادة
__________________
(١) تفسير الكشاف ، ج : ١ ، ص : ٤٥٤.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
