إن قضية النصر والهزيمة ليست بالقلة والكثرة ، بل هي بالإيمان والتخطيط والتنظيم ، والأخذ بأسباب القوة ، مما يجعل النصر في جانب القلة المؤمنة المنظمة ، على الكثرة التي تفقد الإيمان والتنظيم والتخطيط ، انطلاقا من الشعار الذي طرحه هؤلاء المؤمنون الذين واجهوا المعركة بقلوب مؤمنة واثقة بالله : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). الأمر الذي يجعل العاملين في موقع الثقة ، مهما كانت قوة الخصوم كبيرة.
إن قيمة الحوار ، في هذه القصة ، هو أننا استطعنا أن نتمثل كل المشاعر والأجواء التي كان يعيشها هؤلاء من خلال مواقفهم القلقة في جانب ، والثابتة في جانب آخر ، مما لا يتسنى لنا معرفته لو كانت القضية تعيش في إطار التقرير العادي للقصة. إنه الفرق بين أن يحكى لك الموقف من خلال الآخرين ، أو ينقل لك الموقف بنفسه وتتمثله بنفسك.
أن يبقى المؤمن المجاهد في موقف الاستعانة بالله ، والشعور بالحاجة إليه في ما يحصل عليه من قوة ، وما يحتاج إليه من مواقف الصبر والصمود والثبات ، وما يتطلع إليه من نصر لاعتقاده بأن النصر من عند الله أولا وأخيرا ، فلا يدفعه الشعور بالقوة إلى الغرور والتعالي ونسيان الله ، ولا يمنعه الشعور بالضعف من التماسك إزاء قوة الله ، كما يحصل لكثيرين من الذين ينسون الله في مواقف الحرب والسلم ، فينسيهم أنفسهم ، فيخيّل إليهم أنهم على شيء ، وليسوا بشيء.
إنه الفرق بين المؤمن الذي يشعر بالقوة الروحية والمعنوية التي تمتد من الأرض إلى السماء فلا تقف عند حد ، فيتحوّل إلى قوة تدمّر كل قوة تقف أمامها ، وبين غير المؤمن الذي يستمد قوته من الأرض ، ومما يحوطه من إمكانيات محدودة ، فيبقى حيث هو في إطار محدود.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3261_tafseer-abi-alsaud-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
