الشرعية ، كما أن المهر لا علاقة له بصحته ، كما في المعاوضات المالية التي لا تصح إلا مع ذكر العوض ، فلا يصح البيع بلا ثمن ، والإجارة بدون أجرة ... فإن الزواج يمثل ارتباطا بين شخصين من خلال إرادتهما الحرة القائمة على التراضي ، بحيث يعطي كل منهما الآخر من نفسه ، في مقابل ما يعطيه الآخر من نفسه في نطاق الدائرة التي يملك فيها أحدهما الآخر من خلال الحقوق المفروضة بالعقد أو بالشرط ، فلا علاقة للمال في الموضوع ، ولذلك عبر الله عن المهر بأنه «نحلة» ، وهي العطية من دون مقابل في قوله تعالى : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) [النساء : ٤]. وإذا كان قد عبّر عنه في بعض الآيات بالأجر ، فإنها واردة على سبيل المجاز أو المسامحة ، من حيث إيحاء الجانب الشكلي بذلك عند ما يذكر في المهر أو يتحقق الاستمتاع بالمرأة.
وفي ضوء ذلك ، لا مانع من الطلاق حتى في حالة عدم المواقعة وعدم فرض المهر ، لأنه يتضمن فسخ العقد الذي شرع العلاقة في الواقع ، (وَمَتِّعُوهُنَ) أي : أعطوهن من مالكم ما يفتح قلوبهن ، ويوحي إليهن بالمحبة ، تماما كما هي الهدية التي يقدّمها الإنسان للإنسان تدليلا على اهتمامه به ، فلا يشعرن بأن هذه العلاقة التي بدأت من موقع الإخلاص للأشخاص الذين ارتبطن بهم ، ولذلك لم يشترط المهر في العقد ، فأقدمن على زواج لا مهر فيه ، سوف تنتهي من دون أن يقدم لهن هؤلاء الرجال أي شيء يوحي بعرفان الجميل ، ولو كان ذلك بشكل رمزي.
وهكذا أراد الله لهذه العلاقة أن تنتهي بمبادرة إنسانية ، يقدمها الزوج لزوجته بعد الطلاق كهدية يمتعها بها روحيا وماديا ، بحسب الحجم المادي للزوج ، (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) فيعطي بالكمية التي تتناسب مع إمكاناته المادية الجيّدة ، (مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ) ، فتكون المتعة رمزية في دلالتها على الاهتمام بها تبعا لحاله ، (حَقًّا) مفروضا (عَلَى الْمُحْسِنِينَ) الذين عاشوا
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٤ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3261_tafseer-abi-alsaud-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
