(مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (٣٢)
____________________________________
ما كنت عليه وكيلا قال بل قتلته ولذلك اسود جسدك ومكث آدم بعده مائة سنة لا يضحك وقيل لما قتل قابيل هابيل هرب إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس فقال له إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدمها ويعبدها فإن عبدتها أيضا حصل مقصودك فبنى بيت نار فعبدها وهو أول من عبد النار (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ) شروع فيما هو المقصود من تلاوة النبأ من بيان بعض آخر من جنايات بنى إسرائيل ومعاصيهم وذلك إشارة إلى عظم شأن القتل وإفراط قبحه المفهومين مما ذكر فى تضاعيف القصة من استعظام هابيل له وكمال اجتنابه عن مباشرته وإن كان ذلك بطريق الدفع عن نفسه واستسلامه لأن يقتل خوفا من عقابه وبيان استتباعه لتحمل القاتل لإثم المقتول ومن كون قابيل بمباشرته من جملة الخاسرين دينهم ودنياهم ومن ندامته على فعله مع ما فيه من العتو وشدة الشكيمة وقساوة القلب والأجل فى الأصل مصدر أجل شرا إذا جناه استعمل فى تعليل الجنايات كما فى قولهم من جراك فعلته أى من أن جررته وجنيته ثم اتسع فيه واستعمل فى كل تعليل وقرىء من أجل بكسر الهمزة وهى لغة فيه وقرىء من أجل بحذف الهمزة وإلقاء فتحتها على النون ومن لابتداء الغاية متعلقة بقوله تعالى (كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ) وتقديمها عليه* للقصر أى من ذلك ابتداء الكتب ومنه نشأ لا من شىء آخر أى قضينا عليهم وبينا (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً) * واحدة من النفوس (بِغَيْرِ نَفْسٍ) أى بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص (أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ) أى* فساد يوجب إهدار دمها وهو عطف على ما أضيف إليه غير على معنى نفى كلا الأمرين معا كما فى قولك من صلى بغير وضوء أو تيمم بطلت صلاته لا نفى أحدهما كما فى قولك من صلى بغير وضوء أو ثوب بطلت صلاته ومدار الاستعمالين اعتبار ورود النفى على ما يستفاد من كلمة أو من الترديد بين الأمرين المنبىء عن التخيير والإباحة واعتبار العكس ومناط الاعتبارين اختلاف حال ما أضيف إليه غير من الأمرين بحسب اشتراط نقيض الحكم بتحقق أحدهما واشتراطه بتحققهما معا ففى الأول يرد النفى على الترديد الواقع بين الأمرين قبل وروده فيفيد نفيهما معا وفى الثانى يرد الترديد على النفى فيفيد نفى أحدهما حتما إذ ليس قبل ورود النفى ترديد حتى يتصور عكسه وتوضيحه أن كل حكم شرط بتحقق أحد شيئين مثلا فنقيضه مشروط بانتفائهما معا وكل حكم شرط بتحققهما معا فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ضرورة أن نقيض كل شىء مشروط بنقيض شرطه ولا ريب فى أن نقيض الإيجاب الجزئى كما فى الحكم الأول هو السلب الكلى ونقيض الإيجاب الكلى كما فى الحكم الثانى هو رفعه المستلزم للسلب الجزئى فثبت اشتراط نقيض الأول بانتفائهما معا واشتراط نقيض الثانى بانتفاء أحدهما ولما كان الحكم فى قولك من صلى بوضوء أو تيمم صحت صلاته مشروطا بتحقق أحدهما مبهما كان نقيضه فى قولك من صلى بغير وضوء أو
![تفسير أبي السّعود [ ج ٣ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3235_tafseer-abi-alsaud-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
