تيمم بطلت صلاته مشروطا بنقيض الشرط المذكور البتة وهو انتفاؤهما معافتعين ورود النفى المستفاد من غير على الترديد الواقع بين الوضوء والتيمم بكلمة أو فانتفى تحققهما معا ضرورة عموم النفى الوارد على المبهم وعلى هذا يدور ما قالوا إنه إذا قيل جالس العلماء أو الزهاد ثم أدخل عليه لا الناهية امتنع فعل الجميع نحو ولا تطع منهم آثما أو كفورا إذ المعنى لا تفعل أحدهما فأيهما فعله فهو أحدهما وأما قولك من صلى بوضوء أو ثوب صحت صلاته فحيث كان الحكم فيه مشروطا بتحقق كلا الأمرين كان نقيضه فى قولك من صلى بغير وضوء أو ثوب بطلت صلاته مشروطا بنقيض الشرط المذكور وهو انتفاء أحدهما فتعين ورود الترديد على النفى فأفاد نفى أحدهما ولا يخفى أن إباحة القتل مشروطة بأحد ما ذكر من القتل والفساد ومن ضرورته اشتراط حرمته بانتفائهما معا فتعين ورود النفى على الترديد لا محالة كأنه قيل* من قتل نفسا بغير أحدهما (فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) فمن قال فى تفسيره أو بغير فساد فقد أبعد عن توفية النظم الكريم حقه وما فى كأنما كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها وجميعا حال من الناس أو تأكيد ومناط التشبيه اشتراك الفعلين فى هتك حرمة الدماء والاستعصاء على الله تعالى وتجسير الناس على القتل وفى* استتباع القود واستجلاب غضب الله تعالى وعذابه العظيم (وَمَنْ أَحْياها) أى تسبب لبقاء نفس واحدة موصوفة بعدم ما ذكر من القتل والفساد فى الأرض إما بنهى قاتلها عن قتلها أو استنقاذها من سائر* أسباب الهلكة بوجه من الوجوه (فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) وجه التشبيه ظاهر والمقصود تهويل أمر القتل وتفخيم شأن الإحياء بتصوير كل منهما بصورة لائقة به فى إيجاب الرهبة والرغبة ولذلك صدر النظم الكريم بضمير الشأن المنبىء عن كمال شهرته ونباهته وتبادره إلى الأذهان عند ذكر الضمير الموجب لزيادة تقرير ما بعده فى الذهن فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر فيبقى الذهن* مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند وروده فضل تمكن كأنه قيل إن الشأن الخطير هذا (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ) جملة مستقلة غير معطوفة على كتبنا أكدت بالتوكيد القسمى وحرف التحقيق لكمال العناية بتحقق مضمونها وإنما لم يقل ولقد أرسلنا إليهم رسلنا الخ للتصريح بوصول الرسالة إليهم فإنه أدل على تناهيهم فى العتو والمكابرة أى وبالله لقد جاءتهم رسلنا حسبما أرسلناهم بالآيات الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم* تأكيدا لوجوب مراعاته وتأييدا لتحتم المحافظة عليه (ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ) أى بعد ما ذكر من الكتب وتأكيد الأمر بإرسال الرسل تترى وتجديد العهد مرة بعد أخرى ووضع اسم الإشارة موضع الضمير للإيذان بكمال تميزه وانتظامه بسبب ذلك فى سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإيماء* إلى علو درجته وبعد منزلته فى عظم الشأن وثم للتراخى فى الرتبة والاستبعاد (فِي الْأَرْضِ) متعلق بقوله* تعالى (لَمُسْرِفُونَ) وكذا الظرف المتقدم ولا يقدح فيه توسط اللام بينه وبينهما لأنها لام الابتداء وحقها الدخول على المبتدأ وإنما دخولها على الخبر لمكان إن فهى فى حيزها الأصلى حكما والإسراف فى كل أمر التباعد عن حد الاعتدال مع عدم مبالاة به أى مسرفون فى القتل غير مبالين به ولما كان إسرافهم فى أمر القتل مستلزما لتفريطهم فى شأن الإحياء وجودا وذكرا وكان هو أقبح الأمرين وأفظعهما اكتفى بذكره فى مقام التشنيع.
![تفسير أبي السّعود [ ج ٣ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3235_tafseer-abi-alsaud-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
