(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) (٣١)
____________________________________
* العقوبة النارية يرده قوله تعالى (وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) فإنه صريح فى أن كونه من أصحاب النار تمام العقوبة وكمالها والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها ولقد سلك فى صرفه عما نواه من الشركل مسلك من العظة والتذكير بالترغيب تارة والترهيب أخرى فما أورثه ذلك إلا الإصرار على الغى والانهماك فى الفساد (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) أى وسعته وسهلته من طاع له المرتع إذا اتسع وترتيب التطويع على ما حكى من مقالات هابيل مع تحققه قبلها أيضا كما يفصح عنه قوله (لَأَقْتُلَنَّكَ) لما أن بقاء الفعل بعد تقرر ما يزيله من الدواعى القوية وإن كان استمرارا عليه بحسب الظاهر لكنه فى الحقيقة أمر حادث وصنع جديد كما فى قولك وعظته فلم يتعظ أو لأن هذه المرتبة من التطويع لم تكن حاصلة قبل ذلك بناء على تردده فى قدرته على القتل لما أنه كان أقوى منه وإنما حصلت بعد وقوفه على استسلام هابيل وعدم معارضته له والتصريح بأخوته لكمال تقبيح ما سولته نفسه وقرىء فطاوعت على أنه فاعل بمعنى فعل أو على أن قتل أخيه كأنه دعى نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع وله لزيادة الربط كقولك حفظت* لزيد ماله (فَقَتَلَهُ) قيل لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل فتمثل إبليس وأخذ طاثرا ووضع رأسه على حجر ثم شدخها بحجر آخر فتعلم منه فرضخ رأس هابيل بين حجرين وهو مستسلم لا يستعصى عليه وقيل اغتاله وهو نائم وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة واختلف فى موضع قتلة فقيل عند عقبه حراء وقيل بالبصرة فى موضع المسجد الأعظم وقيل فى جبل بود ولما قتله تركه بالعراء لا يدرى ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله فى جراب على ظهره أربعين يوما وقيل سنة حتى أروح وعكفت عليه الطيور والسباع تنظر متى يرمى به فتأكله (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ) دينا ودنيا (فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ) روى أنه تعالى بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفرة فألقاه فيها والمستكن فى يريه لله تعالى أو للغراب واللام على الأول متعلقة ببعث حتما وعلى الثانى بيبحث ويجوز تعلقها ببعث أيضا وكيف حال من ضمير (يُوارِي) والجملة ثانى مفعولى يرى والمراد بسوأة* أخيه جسده الميت (قالَ) استئناف مبنى على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه قيل فماذا قال عند مشاهدة* حال الغراب فقيل قال (يا وَيْلَتى) هى كلمة جزع وتحسر والألف بدل من ياء المتكلم والمعنى يا ويلتى احضرى* فهذا أوانك والويل والويلة الهلكة (أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ) أى عن أن أكون (مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي) تعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب وقوله تعالى (فَأُوارِيَ) بالنصب عطف* على (أَنْ أَكُونَ) وقرىء بالرفع أى فأنا أوارى (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) أى على قتله لما كابد فيه من التحير فى أمره وحمله على رقبته مدة طويلة. روى أنه لما قتله أسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال
![تفسير أبي السّعود [ ج ٣ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3235_tafseer-abi-alsaud-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
