(لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) (٢٩)
____________________________________
قبلى فلم تقتلنى خلا أنه لم يصرح بذلك بل سلك مسلك التعريض حذرا من تهييج غضبه وحملا له على التقوى والإفلاع عما نواه ولذلك أسند الفعل إلى الاسم الجليل لتربية المهابة ثم صرح بتقواه على وجه يستدعى سكون غيظه لو كان له عقل وازع حيث قال بطريق التوكيد (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) حيث صدر الشرطية باللام المؤطئة للقسم وقدم الجار والمجرور على المفعول الصريح إيذانا من أول الأمر برجوع ضرر البسط وغائلته إليه ولم يجعل جواب القسم السادمسد جواب الشرط جملة فعلية موافقة لما فى الشرط بل اسمية مصدرة بما الحجازية المفيدة لتأكيد النفى بما فى خبرها من الباء للمبالغة فى إظهار براءته عن بسط اليد ببيان استمراره على نفى البسط كما فى قوله تعالى (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) وقوله (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) فإن الجملة الاسمية الإيجابية كما تدل بمعونة المقام على دوام الثبوت كذلك السلبية تدل بمعونته على دوام الانتفاء لا على انتفاء الدوام وذلك باعتبار الدوام والاستمرار بعد اعتبار النفى لا قبله حتى يرد النفى على المقيد بالدوام فيرفع قيده أى والله لئن باشرت قتلى حسبما أوعدتنى به وتحقق ذلك منك ما أنا بفاعل مثله لك فى وقت من الأوقات ثم علل ذلك بقوله (إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) وفيه من إرشاد قابيل إلى خشية الله تعالى على أبلغ وجه وآكده مالا* يخفى كأنه قال إنى أخافه تعالى إن بسطت يدى إليك لأقتلك أن يعاقبنى وإن كان ذلك منى لدفع عداوتك عنى فما ظنك بحالك وأنت البادى العادى وفى وصفه تعالى بربوبية العالمين تأكيد للخوف قيل كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم خوفا من الله تعالى لأن القتل الدفع لم يكن مباحا حينئذ وقيل تحريا لما هو الأفضل حسبما قال عليهالسلام كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل ويأباه التعليل بخوفه تعالى إلا أن يدعى أن ترك الأولى عنده بمنزلة المعصية فى استتباع الغائلة مبالغة فى التنزه وقوله تعالى (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) تعليل آخر لا متناعه عن المعارضة على أنه غرض متأخر عنه كما أن الأول باعث متقدم عليه وإنما لم يعطف عليه تنبيها على كفاية كل منهما فى العلية والمعنى إنى أريد باستسلامى لك وامتناعى عن التعرض لك أن ترجع بإثمى أى بمثل إثمى لو بسطت يدى إليك وبإثمك ببسط يدك إلى كما فى قوله عليهالسلام المستبان ما قالا فعلى البادىء ما لم يعتد المظلوم أى على البادىء عين إثم سبه ومثل سب صاحبه بحكم كونه سببا له وقيل معنى بإثمى إثم قتلى ومعنى بإثمك الذى لأجله لم يتقبل قربانك وكلاهما نصب على الحالية أى ترجع ملتبسا بالإثمين حاملا لهما ولعل مراده بالذات إنما هو عدم ملابسته للإثم لا ملابسة أخيه له وقيل المراد بالإثم عقوبته ولا ريب فى جواز إرادة عقوبة العاصى ممن علم أنه لا يرعوى عن المعصية أصلا ويأباه قوله تعالى (فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) فإن كونه* منهم إنما يترتب على رجوعه بالإثمين لا على ابتلائه بعقوبتهما وحمل العقوبة على نوع آخر يترتب عليها
![تفسير أبي السّعود [ ج ٣ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3235_tafseer-abi-alsaud-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
