ويا لها من حجة أخيرة حاسمة تغمرهم في لجّة ، فلو لم يكن رسولا من الله لاستراح في تهديدهم إلى رهطه الذين هم يحذرونهم ، دون أن يرفضهم ويفرض ما يدعوا إليه من توحيد الله وهم يرفضون.
فالعاقل يغتنم كل فرصة حاضرة في خضمّ الأخطار ، والغريق يتشبث بكل حشيش ، فضلا عما ينجيه دون تشبث ، فحين يترك شعيب رهطه الذين هم المنعة الوحيدة عن أخطار قومه ، وتشبث بعناية ربه ورحمته من ناحية ، ومن عذابه عليهم من أخرى ، فذلك الصمود برهان قاطع أخير لا مرد له أن صاحبه رسول من الله دون هوادة.
أجل ، والمؤمن لا يتعصب بأية عصبة وقوة في الظروف المحرجة إلّا بربه ، مما يزيده إيمانا على إيمانه ، ويزيد أعداءه حجة على حجته ، فعصبية المؤمن ليست لأي حول أو قوة أو منعة إلّا حول ربه وقوته ومنعته ، وهذا هو مفرق الطريق بين التصور الإيماني والجاهلي في كل أزماته وبيئاته.
ذلك ، وبعد هذه الكلمة الأخيرة الفاصلة (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ) (٧ : ٩٣) ومن ثم العذاب الموعود :
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا
__________________
ـ قال : سألته عن انتظار الفرج من الفرج؟ قال : إن الله تبارك وتعالى يقول (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ).
وفيه عن كتاب كمال الدين وتمام النعمة بإسناده إلى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال قال الرضا (عليه السلام): ما أحسن الصبر وانتظار الفرج أما سمعت قول الله عزّ وجلّ يقول : (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ). وقوله : (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) فعليكم بالصبر فإنما يجيء الفرج على اليأس فقد كان الذي من قبلكم أصبر منكم ، وفيه عن المجمع روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال : كان شعيب (عليه السلام) خطيب الأنبياء.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
