نعمة خامسة يمن بها عليهم ، وترى كيف يكون حمل القتل لأنفسهم نعمة؟ إنها نعمة حيث هي في سبيل التوبة ، فإنها خير من حياة اللعنة الدائبة في وصمة اتخاذ العجل.
(.. إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ) إلها تعبدونه ، وليس الله هو المظلوم : (وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (٢ : ٥٧) حيث الظلم هو الانتقاص والله لا ينتقص منه شيء ذاتا أو صفات أو أفعالا ـ ف «لا يتغير بانغيار المخلوقين» وإنما الظلم الانتقاص راجع إلى الظالم نفسه ، حيث يخرج عن مستوى العدل ، مهما انتقص غيره من الخلق في الظلم المتعدي إليهم ، ولا تجد آية تلمح بأن الله يظلم ، وإنما هو لغير الله نفسه أم سواه.
وحيث (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) فالتوبة عنه ـ ولا سيما من المرتد عن فطرة ـ إنها قد ترد ولا تقبل في الظاهر مهما قبلت في الباطن ، وقد تقبل كما هنا ولكنه بعبء عظيم.
(فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ) ولماذا (إِلى بارِئِكُمْ) دون «الله» او «خالقكم» او «ربكم» او ... لان البرء هو التخلص عن مرض او عيب او اي نقص ، فالمريض المعيب المنتقص بالخروج عن حكم الفطرة يجب عليه التوبة : الرجوع ـ الى من برءه إذ خلقه حتى يبرئه بعد نقصه بظلمه ، ف (هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ ..) (٥٩ : ٢٤) حيث خلق ثم برء ما خلق ثم صور ما برء ، ومن برءه براءة الفطرة في يراعه التوحيد ، فحيث تخلف عبدة العجل عن هذه البراءة ، فتوبتهم هي الرجوع الى البارئ ليرجعهم الى هذه البراءة التي افتقدوها بكل غباوة ، إذ عبدوا العجل الذي يضرب به المثل في الغباوة ، فأصبحوا أحمق وأغبى من العجل في هذه العبادة.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3003_alfurqan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
