فبينا تبع على ذلك من حربهم إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بنى قريظة عالمان راسخان ، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها ، فقالا له : أيها الملك : لا تفعل ، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بيتك وبينها ، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال لهما : ولم ذلك؟ قالا : هى مهاجر نبى يخرج من هذا الحرم من قريش فى آخر الزمان ، تكون داره وقراره.
فتناهى ورأى أن لهما علما ، وأعجبه ما سمع منهما ، فانصرف عن المدينة واتبعهما على دينهما.
وهذا الحى من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحى من يهود ، الذين كانوا بين أظهرهم ، وإنما أراد هلاكهم فمنعوهم منه ، ثم انصرف عنهم ، ولذلك قال فى شعره :
|
حنقا على سبطين حلا يثربا |
|
أولى لهم بعقاب يوم مفسد |
وذكر ابن هشام أن الشعر الذي فيه هذا البيت مصنوع (١).
وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها ، فوجه إلى مكة وهى طريقه إلى اليمن ، حتى إذا كان بين عسفان وأمج (٢) أتاه نفر من هذيل بن مدركة فقالوا له : أيها الملك : ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك ، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟ قال : بلى. قالوا : بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده (٣).
وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك ، لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده. فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين ، فسألهما عن ذلك ، فقالا : ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك ، وما نعلم بيتا لله اتخذه فى الأرض لنفسه غيره ، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا.
__________________
(١) قال السهيلى فى الروض الأنف (١ / ٢٩) : الشعر الذي زعم ابن هشام أنه مصنوع ، قد ذكره فى كتاب التيجان وهو قصيد مطول أوله :
|
ما بال عينيك لا تنام كأنما |
|
كحلت مآقيها بسم الأسود |
انتهى باختصار.
(٢) أمج : بفتح أوله وثانيه وبالجيم ، قرية جامعة ما بين مكة والمدينة على أميال من قديد لها سور ، وهى كثيرة المزارع وأهلها من خزاعة ، وبها آثار كثيرة وبها نخل ، وهى محلة بنى نمرة وجماعة من الناس. انظر : الروض المعطار (ص ٣٠ ، ٣١).
(٣) انظر : السيرة (١ / ٣٧).
![الإكتفا [ ج ١ ] الإكتفا](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2513_alektefa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
