قال : فما ذا تأمرانى أن أصنع إذا قدمت عليه؟ قالا : تصنع عنده ما يصنع أهله ، تطوف به وتعظمه وتكرمه ، وتحلق رأسك عنده ، وتذلل له حتى تخرج من عنده.
قال : فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا : أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم ، وإنه لكما أخبرناك ، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله ، وبالدماء التي يهريقون عنده ، وهم نجس أهل شرك ؛ أو كما قالا له.
فعرف نصحهما وصدق حديثهما ، فقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم. ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده ، وحلق رأسه ، وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل.
ورأى فى المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف (١) ، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك ، فكساه المعافر ، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك ، فكساه الملاء والوصائل ، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت.
وأوصى به ولاته من جرهم ، وأمرهم بتطهيره ، وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاة (٢) وهى المحائض وجعل له بابا ومفتاحا. ثم خرج موجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين ، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه ، فأبوا عليه ، حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن.
ويقال : إنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك ، وقالوا : لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا. فدعاهم إلى دينه وقال : إنه خير من دينكم. قالوا : فحاكمنا إلى النار ، قال : نعم.
وكان باليمن فيما يزعم أهل اليمن ، نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه ، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم.
فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به فى دينهم ، وخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما متقلديها ، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه ، فخرجت النار عليهم ، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها ، فذمرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها. فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما قربوا معها ، ومن حمل ذلك من
__________________
(١) الخصف : سفائف تسف من سعف النخل ، فيسوى منها شقائق تلبس بيوت الأعراب ، وقيل : هى ثياب غلاظ. انظر : اللسان (مادة / خصف).
(٢) مئلاة : هى خرقة الحائض وهى أيضا خرقة النائحة.
![الإكتفا [ ج ١ ] الإكتفا](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2513_alektefa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
