ثنا محمّد بن القاسم (١) بن زكريا الغلّابي ، نا العبّاس بن بكّار ، نا شبيب بن شيبة ، عن خالد بن صفوان :
أنه كان بالرصافة عند هشام بن عبد الملك ، فقدم العبّاس بن الوليد بن عبد الملك فغشيه الناس فقال : وكان خالد فيمن أتاه ، وكان العبّاس يصوم الاثنين والخميس ، قال (٢) خالد : فدخلت عليه في يوم خميس فقال لي : ابن الأهتم ، خبرني عن تسويدكم الأحنف وانقيادكم إليه ، وكنتم حيا لم تملكوا في جاهلية ولا إسلام (٣) قط ، فقلت له : إن شئت أخبرتك عنه بخصلة لها سوّد (٤) ، وإن شئت بثنتين ، وإن شئت بثلاث ، وإن شئت حدّثتك بقية عشيّتك حتى تنقضي ولم تشعر بصومك ، قال : هات الأولى ، فإن اكتفينا وإلّا سألناك ، قال : فقلت : كان أعظم من رأينا وسمعنا ـ ثم أدركني ذهني فقلت : غير الخلفاء ـ سلطانا على نفسه في ما أراد حملها عليه ، وكفّها عنه ، قال : لقد ذكرتها نجلاء كافية ، فما الثانية؟ قلت : قد يكون الرجل عظيم السّلطان على نفسه ، ولا يكون بصيرا بالمحاسن والمساوئ ، ولم ير ولم يسمع بأحد أبصر بالمحاسن والمساوي منه ، ولا يحمل للسلطنة إلّا على حسن ، ولا يكفّها إلّا عن قبيح ، قال : قد جئت بصلة الأولى لا يصلح إلّا بها ، فما الثالثة؟ قلت : قد يكون الرجل عظيم السّلطان على نفسه بصيرا بالمحاسن والمساوئ ولا يكون حظيظا فلا يفشوا ذلك له في الناس فلا يذكر به فيكون عند الناس مشهورا ، قال : وأبيك لقد جئت بصلة الأوليين فما بقية ما يقطع عني العشي؟ قلت : أيامه السالفة ، قال : وما (٥) أيامه السّالفة؟ قلت : يوم فتح خراسان اجتمعت له جموع الأعاجم بمرو الرّوذ فجاءه ما لا قبل له به وهو في منزل بمضيعة وقد بلغ الأمر به فصلّى عشاء الآخرة ، ودعا ربه وتضرّع له أن يوفقه (٦) ثم خرج يمشي في العسكر مشي المكروب يتسمع ما يقول الناس ، فمرّ بعبد يعجن وهو يقول لصاحب له : العجب لأميرنا يقيم بالمسلمين في منزل مضيعة ، وقد جاءه العدو ومن وجوه ، وقد أطافوا بالمسلمين من نواحيهم ، ثم اتّخذوهم أغراضا وله متحوّل فجعل الأحنف يقول :
__________________
(١) الجليس الصالح : محمد بن زكريا الغلابي.
(٢) عن الجليس الصالح وبالأصل : فأتاه.
(٣) سقطت من الجليس الصالح.
(٤) بالأصل : سودد ، والمثبت عن الجليس الصالح.
(٥) عن الجليس الصالح وبالأصل : «وأما».
(٦) الأصل : يوقفه ، والمثبت عن الجليس الصالح.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٢٤ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2265_kifayah-alusul-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
