المملكة التونسية جماعات ووحدانا ، فيتأملون من أطلال مدينة قرطاجنة وجمال موقعها الذي لا زالت مسحة منه على قرية سيدي أبي سعيد. ويا ليت المستنصر الحفصي أنعم على بقية أسوارها وقصورها بالبقاء بعد أن استقرت بها جنود لويس التاسع ملك فرنسا عام ٦٦٨ ـ ٦٦٩. بدون أن ينسب ذنب العجز عن الدفاع إلى تلك الحصون والهياكل العظيمة ، وهي برية من كل ذلك ، والجسد متى كان بلا روح لا حرج عليه إذا لم يبد حراكا ، قال بعض المؤرخين : وهذا شأن الملوك ما زالوا يطمسون آثار من قبلهم ويميتون ذكر أعدائهم ، فقد هدموا بذلك السبب أكثر المدن والحصون ، وكذلك كانوا أيام العجم وفي جاهلية العرب وهم على ذلك في أيام الإسلام. فقد هدم سيدنا عثمان بن عفان صومعة غمدان. قلت ربما مثل ذلك كان من الرجال العظام لأسباب أدى الاجتهاد إلى ملايمتها ـ وكثير من مسائل الهدم تكون لأسباب أخرى ، فقد هدم بنو العباس مدن الشام لبني مروان وحاربوا بالمعاول والأموال مداين كسرى بالعراق وحاولوا نقض أهرام الفراعنة بمصر. وبنو عبيد بالقيروان كبر عليهم ذكر أسماء من قبلهم فأمروا أن تقلع من المساجد والمواجل والقصور والقناطر أسماء الذين بنوها ، فطمسوا بهاته الطريقة وجه الحقيقة. وبنو مرين هدموا قصور تلمسان ، ولو بقيت لكانت تفيدنا في إحياء صنائع الأندلس البديعة التي أجادتها مهرة عملتهم وصناعهم. ويشاهدون قصر الأجم «التياترو» العتيق الجاثم في وسط المسافة بين تونس وقابس هيكلا عظيما وبناء متينا له عدة طبقات ، وارتفاع نحو ثمانين ذراعا يقصر دونه مرسح مدينة نيم ومرسح مدينة آرل في فرنسا ، إلّا أن أيادي البشر عبثت بنصفه الشمالي وصرعته في الأرض ، وقد عجز كر الأيام والليالي عن نصفه الجنوبي ، وعادية الإنسان أنكى من عادية الزمان. وتجلب أنظارهم غابات زيتون صفاقس ونخيل واحات الجريد ، ويعطفون على أطلال سبيطلة. ثم معالم القيروان وجامعها وحوض شربها في القديم من عهد الدولة الأغلبية في القرن الثالث ـ قال الشيخ ابن أبي الضياف : في عام ١٢٥٦ أمر أحمد باي بتنظيف فسقية ابن الأغلب بالقيروان ، وذلك من فاضل أوقاف السيد الصاحب رضي الله عنه ، لأن ذلك من أجل أعمال البر على ما به العمل عند المحققين من صرف فاضل الحبس بعد استقامته في طريق ما يزداد به الثواب للمحبس ولا ينقطع به عمله. قلت وأعيد
