انصباب أشعتها عموديا وكأنهم لا يرضون البقاء في الشتاء حوالي مساكننا في شمال إفريقيا وقريبة من سيف البحر الأبيض حتى لا تنظر إليهم الشمس شزرا تتبعا لرضاها ، ومتى عادت نحونا وأخذ الثلج يتقلص عن الربى والمرتفعات عادوا إلى التلول معتمدين على مساعدتها في مدافعة وطأة البرد بهاته الجهات متى أراد أن يسومهم سوء العذاب بزمهريره ، حيث لا يجتمع بياض الجو من أنوار الشمس وبياض أديم الأرض بالثلوج وهما ضدان. وأمم أروبا الآن كذلك تنحدر من ممالكها إلى شمال إفريقيا بمصر وتونس والجزائر لتقضية أيام البرد وتسخينا لدمائهم بالشمس التي تبعد عنهم كثيرا في فصل الشتاء ، فينزل بهم البرد القارص إلى نحو الخمس عشرة درجة تحت الصفر «الذي هو جمود الماء» في أواسط أروبا وربما أفضى بهم اشتداد البرد في بعض الأحيان إلى انجماد دم البشر فيهلكون. وقد ورد الإيصاء باتقاء وطأة البرد حيث قتل أخانا أبا الدرداء. وفي زمن حر المصيف وإلحاح الشمس على شمال إفريقيا ينزع عدد غير قليل من السكان إلى أروبا لاعتدال هوائها مدة نحو الثلث من السنة ، مبدؤه شهر جوان وهو الشهر الذي اخترناه لرحلتنا هاته ، وهناك يتنعمون بماء بارد سايغ الشرب وبطيب نفحات النسيم وأرض منحصرة الأديم ، والبعد من الحر في القيلولة مسنون وغير البشر لا يقيل.
٥ ـ والسفر لمجرد الاطلاع على أحوال الأمم ومعارفها ومشاهدة درجة رقيها ومواقع سكناها وعوائدها وما اختصت به كل جهة من آثار الأمم الغابرة والدول البائدة ، ضرب من السفر لطلب العلم كبير الفائدة يعرف به الإنسان منزلة نفسه ودرجة أبناء جنسه وما للبشر من الأطوار والآثار وما في ملكوت السماوات والأرض مما يستوقف الأنظار ويدعو إلى الاعتبار. والسفر لهذا القصد من أكبر الدروس المهذبة للنفوس ـ والمطلع على كتاب رحلة ابن بطوطة عام ٧٢٥ يعلم ثمرة السفر لهذا القصد وما يعود منه على البشر من النفع العام للمسافر نفسه وإلى من سواه. ولأروبا ولع عظيم بالسفر لهذا الغرض والانسياح في الأقطار المعلومة والبحث عن الجهات المجهولة ، وكريستوف كولومب صار له ذكر باكتشاف أمريكا عام ١٤٩٢ من عهد أربعة قرون والبحث على أراضي القطبين لا زال متواليا في بلاد الثلوج وانقطاع العمران. والآن ازدادت رغبتهم وكثر عديدهم لأمن السبل وسرعة السير بالبخار ، يفدون على
