سابق العلم باللغة العربية في الأزهر ، شأن كل مترجم لا يبرع في صناعته إلّا إذا كان مكينا في لغته الأصلية وفي قطرنا هي العربية. والآن مصر فيما يبلغنا عنها هي أندلس الإسلام في العلوم الأصلية والعصرية والتلميذ النجيب المتفنن بين الأمم المتلقية للعلوم من أروبا. وأرباب العلم الذين سافروا وتكبدوا المشاق وعرفوا الرجال وحلقوا في جو الأخلاق والعوائد وسبحوا في بحار الأجناس والطوائف وتقبلوا مع ليالي الدهر ، تجد بينهم وبين الذين نالوا العلم بدون ذلك فرقا كبيرا في تدقيق أصول المسائل واستنباط الجزئيات والحكم على الأمم ، لاتساع الخيال وسعة الاطلاع اللذين يتقوى بهما الإدراك الفكري ، فيكون في أخلاقهم من اللطف ونفوسهم من المروءة ما يقرب بهم إلى درجة الفلسفة والتدبر في أمور الدهر والنظر إلى الصالح العام. فهم أبرء ساحة من احتقار الأجناس أو الإجحاف بحقوق الغير ، وأبعد عن حب الأثرة أو الإعجاب بالنفس. يتجلى ذلك من مجالسة ودروس وسيرة الأستاذ الأكبر عالم القطر الشيخ سيدي سالم بوحاجب الذي سيأتي ذكره في السفر السياسي ، والممتزج بسبب العلم بأرباب التقدم في العلوم على الأساليب الجديدة ، يستفيد ملكة اجتماعية غير مسائل العلم الخاص الذي يزاوله ، لأن أصحاب النظام في العلوم أصحاب نظام أيضا في محاوراتهم وإداراتهم وشئونهم الخاصة ، فالتحكك بهم وممارستهم تعود بخلال صالحة في عالم الاجتماع.
٢ ـ ومن السفر للعلم حضور المجتمعات والمجالس التي يعقدها فطاحل العلماء في بعض العواصم ، يدعون لها كل من كانت له مقدرة على المشاركة في الغرض الذي عينوا البحث فيه وتحرير الرسائل في مسائله ، أو للكلام في عموم أنواع العلوم ومهمات المواضيع في زمن معين يعد له أرباب الفكر وأصحاب المقدرة ما استطاعوا مما يحسن سمعه ويروق ذكره ويفيد نشره. وربما كان للدول في جمع هاته المؤتمرات لنشر العلم وتلخيص مهمات مسائله وتمحيص حقائقها وهو من محاسن هذا العصر. وفي القديم يدعى بعض العلماء من الجهات البعيدة لتحقيق بعض المسائل يكون لهم من ورائها ذكر وغنى ، والعلم محمود العاقبة. وكان سوق عكاظ مجمعا عاما لعرض نفايس الشعر وبدايع القصايد. وأول من دعا علماء الأمم للاجتماع والبحث في العلوم الشرقية دولة فرانسا ، وأول مؤتمر كان بعاصمة العلوم باريز عام ١٨٧٨ ، وسيأتي ذكر
