بموجب العواصف التي أنهكتها وكادت أن تسقطنا كالأجنة. وعلى الساعة الثانية ونصف بعد نصف الليل استهل الركاب في عالم الوجود كالمواليد بمرسيليا وقد لاح لنا ذلك الثغر باسما بعقود الفوانيس الدرية فانقلب به خوفنا أمنا وليلنا نهارا. فبادرنا بالنزول إلى سطح الأرض وهي أم البشر بعد أن قرأنا شعر ابن زريق البغدادي في هول البحر وقد شطره شاعر القيروان الشيخ السيد صالح سويسي الشريف وذيله بيتين :
|
لا أركب البحر أخشى |
|
من حادثات المراكب |
|
هول عظيم أخاف |
|
علي منه المعاطب |
|
طين أنا وهو ماء |
|
أمواجه لا تغالب |
|
فكيف لا أتقيه |
|
والطين في الماء ذايب |
|
يا راكب البحر صبرا |
|
على أليم العواقب |
|
فانظر إليه تراه |
|
يبدي إليك العجايب |
|
مثل السياسة فعلا |
|
في دورها تتلاعب |
وطابقنا تماما ما وصف به سيدنا عمرو بن العاص منذ ثلاثة عشر قرنا هيئة البحر وراكبه في جمل قليلة جامعة عند ما كتب إليه سيدنا عمر بن الخطاب بعد فتح مصر يقول له : صف لي البحر وراكبه. فأجابه بقوله : هو خلق كبير ، يركبه خلق صغير. ليس إلّا السماء والماء ، إن ركد أقلق القلوب ، وإن تحرك أزاغ العقول ، يزداد فيه اليقين قلة ، والشك كثرة ، وراكبه دود على عود ، إن مال غرق ، وإن نجى فرق.
