مما تقتضيه صناعة الاشتقاق ؛ لأن ذلك إنما يلتزم فيه شرج (١) واحد من تتالى الحروف ، من غير تقليب لها ولا تحريف. وقد كان الناس : أبو بكر رحمهالله وغيره من تلك الطبقة ، استسرفوا (٢) أبا إسحاق رحمهالله ، فيما تجشمه من قوّة حشده ، وضمّه شعاع ما انتشر من المثل المتباينة إلى أصله. فأمّا أن يتكلّف تقليب الأصل ، ووضع كل واحد من أحنائه موضع صاحبه ، فشىء لم يعرض له ولا تضمّن عهدته. وقد قال أبو بكر : «من عرف أنس ، ومن جهل استوحش» وإذا قام الشاهد والدليل ، وضح المنهج والسبيل.
وبعد فقد ترى ما قدّمنا فى هذا أنفا (٣) ، وفيه كاف من غيره ؛ على أن هذا وإن لم يطّرد وينقد فى كل أصل ، فالعذر على كل حال فيه أبين منه فى الأصل الواحد ، من غير تقليب لشيء من حروفه ، فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد من أن تنظمه قضيّة الاشتقاق له كان فيما تقلبت أصوله : فاؤه وعينه ، ولامه ، أسهل ، والمعذرة فيه أوضح.
وعلى أنك إن أنعمت النظر ولا طفته ، وتركت الضجر وتحاميته ، لم تكد تعدم قرب بعض من بعض ، وإذا تأمّلت ذاك وجدته بإذن الله.
__________________
(١) الشرج ـ بالجيم ـ : الضّرب ؛ يقال : هما شرج واحد ، وعلى شرج واحد ، أى : ضرب واحد ، ويقال : هو شريج هذا وشرجه ، أى : مثله. اللسان (شرج).
(٢) استسرفت فلانا ـ بسينين مهملتين بينهما تاء فوقانية ـ أى : عددته مسرفا ، وهو يعنى : أن النحاة ـ أبا بكر بن السّرّاج وغيره ـ كانوا يعدّون أبا إسحاق الزجّاج من المسرفين المغالين فى هذا الباب ، أعنى : طرده الاشتقاق بأنواعه فيما يعن له عند النظر فى معنى كلمة ، أو فى معرفة أصل حرف من حروف الكلمة ـ : الفاء ، والعين ، واللام. وانظر فى استسراف النحويين للزجاج فى طرده الاشتقاق : ترجمته فى «معجم الأدباء» (١ / ١٤٤) طبعة الحلبى.
(٣) «أنفا» على وزن عنق ، أى : لم يسبق به ، وأصله من قولهم : «روضة أنف» : لم يرعها أحد ، وفى المحكم : أى : لم توطأ ، ومن ذلك سمّى الإمام المحدث أبو القاسم السهيلى شرحه على «سيرة ابن هشام» بـ «الرّوض الأنف». ومن ذلك ـ أيضا ـ قال المعتزلة : «إن الأمر أنف» يعنى : أن الله لا يعلم الأمور إلا بعد وقوعها أما قبل وقوعها فلا ، يعنى : أن الأشياء لا تعلم قبل وقوعها ؛ فالأمر أنف ؛ تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ، علم سبحانه ما كان وما هو كائن ، وما سيكون وما سوف يكون ، بل ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، نسأل الله الهدى!
![الخصائص [ ج ١ ] الخصائص](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2068_alkhasais-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
