وقد عرفت من قريب منع هذا الفريق لإرادة هذا المعنى من قوله عليهالسلام : «لا يفسده شيء» (١) إلى آخره ، فكيف يثبته الآن على خصمه!؟
ومنها : صحيحة عليّ بن يقطين ، قال : سألت أبا الحسن موسى عن البئر تقع فيها الحمامة أو الدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرّة ، فقال : «يجزئك أن تنزح منها دلاء ، فإنّ ذلك يطهّرها إن شاء الله تعالى» (٢) والإجزاء ظاهر في الخروج عن عهدة الواجب ، وتطهيرها بذلك يدلّ على نجاستها بدونه كما تقدّم.
قيل : يرد عليها عدم الدلالة نصّاً ، فلا يعارض ما تقدّم.
قلنا : النصّ منتفٍ في الجانبين ، والظاهر موجود فيهما ، فلم يبق إلا الترجيح بأمرٍ آخر ، مع أنّ دعوى عدم النصّ في هذه موضع نظر.
قيل : التمسّك بظاهرها لا يستقيم لعدم استواء الكلب والفأرة في الحكم ، وليس حملها على تفسّخ الفأرة وخروج الكلب حيّاً بأولى من حملها على التغيّر أو إرادة التنظيف.
قلنا : قد دلّت على النجاسة في الجملة ، وإنّما تختلف في قدر المطهّر بسبب اختلاف أعيان النجاسة ، وذلك لا يؤثّر في أصل الدلالة.
وأمّا الاعتبار فهو أنّ البئر لو لم تنجس لم يكن للنزح فائدة ، فيكون عبثاً ، والتالي ظاهر البطلان لصدوره عمّن لا ينطق عن الهوى ، فالمقدّم مثله ، والملازمة ظاهرة.
وأُجيب : بمنع الملازمة إذ لا يلزم من انتفاء فائدة مخصوصة انتفاؤها مطلقاً ، ولا يلزم من عدم العلم بها عدمها ، ومن ثَمَّ قال المصنّف بالاستحباب (٣) ، وهو فائدة ، والشيخُ في التهذيب بأنّه تعبّد (٤).
وبالجملة ، فالأخبار متعارضة ، والاعتبار قائم ، وباب التأويل متّسع إلا أنّه خارج عن الحقيقة غالباً ، والمسألة من أشكل أبواب الفقه ، غير أنّ المعتبر في المصير إلى مثل هذه الأحكام رجحان ما لأحدهما على ضدّه ، وكأنّه موجود هنا في جانب النجاسة ، والله أعلم بحقائق أحكامه.
__________________
(١) التهذيب ١ : ٢٣٤ / ٦٧٦ ؛ الاستبصار ١ : ٣٣ / ٨٧.
(٢) التهذيب ١ : ٢٣٧ / ٦٨٦ ؛ الاستبصار ١ : ٣٧ / ١٠١.
(٣) تذكرة الفقهاء ١ : ٢٧ ذيل القسم الحادي عشر من أقسام النجاسة الواقعة في البئر ؛ نهاية الإحكام ١ : ٢٦٠.
(٤) التهذيب ١ : ٢٣٢.
![روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان [ ج ١ ] روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1539_rozaljanan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
