يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١) انموذجاً له دلالته البالغة على طبيعة الأوضاع العلمية السائدة عشية موت الرسول صلىاللهعليهوآله ، إذ يفترض بمجتمع الصحابة الذي نزل القرآن في جنباته ، وبلغته وبيانه ، أن يدرك المعاني الارتكازية للغة الآيات تلقائياً ، أو أن يكون سؤولاً في ما لا يفقه من هذه المعاني ، غير ان المتأمل سيرى ان الصورة التي تركها هذا المجتمع كانت مختلفة تماماً ، فعلى الرغم من وضوح الآية في تبيان معنى«الكلالة» ، ورغم أن المسألة من المسائل البسيطة جداً على مستوى الشأن العلمي ، فإنك تجد نفسك مجبراً على الانبهار ، وأنت تسمع اختلاف الصحابة في تفسيرها فتجد أن أبابكر يفسّرها بهذه الطريقة : إني سأقول فيها برأيي فإن يك صواباً فمن الله ، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه ، أراه ما خلا الولد والوالد. (٢)
وترى أبا موسى الأشعري يسأل عنها فيقضي بجواب ، ثم يطلب من السائل أن يأتي ويسأل عبد الله بن مسعود الذي سرعان مايصعق لجواب الأشعري فتراه يقول : ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ، ثم قضى بما ادعى أنه قضاء رسول الله صلىاللهعليهوآله. (٣)
وترى عقبة بن عامر الجهني (٤) يسأل عنها فيقول : ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة؟! وما أعضل بأصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله شيء ما أعضلت
____________________
(١) سورة النساء : ١٧٦.
(٢) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٢٥٠ : ٢ لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ه) ؛ دار المعرفة ـ بيروت.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦٠٧ : ١ لابن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ) ؛ دار المعرفة ـ بيروت ١٩٨٧ ط ١.
(٤) قاتل عمار بن ياسر (رضوان الله تعالى عليه) ومستخلف معاوية على مصر ، والرجل من الموثقين في الرواية لدى العامة ، وممن أطرى عليه رجالهم ، رغم انهم يروون حديث الرسول صلىاللهعليهوآله : عمّار تقتله الفئة الباغية ، وبشّر قاتل ابن سمية بالنار!!
