القاسم بن عروة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليهالسلام قال قال ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا وهو قول الله عز وجل : « كَلاَّ
______________________________________________________
اللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض ، ومنه قيل : فرس لمظ إذا كان بجحفلته شيء من البياض ، وتوضيح الكلام أن بأصل الإيمان تظهر نكتة أبيض في قلب من آمن أول مرة ، ثم إذا أقر باللسان ازدادت تلك النكتة ، وإذا عمل بالجوارح عملا صالحا ازدادت حتى يصير قلبه نورانيا كالنير الأعظم ، وبعكس ذلك في العمل السيء.
وتحقيق الكلام في هذا المقام أن المقصود بالقصد الأول بالأعمال الظاهرة والأمر بمحاسنها والنهي عن مقابحها ، هو ما تكتسب النفس منها من الأخلاق الفاضلة والصفات الفاسدة ، فمن عمل عملا صالحا أثر في نفسه ، وبازدياد العمل يزداد الضياء والصفاء ، حتى تصير كمرآة مجلوة صافية ، ومن أذنب ذنبا أثر ذلك أيضا وأورث لها كدورة فإن تحقق عنده قبحه وتاب عنه زال الأثر وصارت النفس مصقولة صافية ، وإن أصر عليه زاد الأثر الميشوم وفشا في النفس واستعلى عليها وصار من أهل الطبع ولم ترجع إلى خير أبدا ، إذ دواء هذا الداء هو الانكسار وهضم النفس والاعتراف بالتقصير والرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار ، والانقلاع عن المعاصي ، ولا محل لشيء من ذلك إلى هذا القلب المظلم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم أشار إلى أن ذلك هو الرين المذكور في الآية الكريمة بقوله : وهو قول الله تعالى : « كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » قيل : أي غلب على قلوبهم ما كانوا يكسبون حتى قبلت الطبع والختم على وجه لا يدخل فيها شيء
![مرآة العقول [ ج ٩ ] مرآة العقول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1026_meratol-oqol-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
