إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا ومن الموت لا يجزعون وفي القبور
______________________________________________________
بين الناس من اتصف بتلك الصفات؟ « قال في أطراف الأرض » لأنهم يهربون من المخالفين تقية أو يستوحشون من الناس ، لاستيلاء حب الدنيا والجهل عليهم حذرا من أن يصيروا مثلهم ، وما قيل : إن في بمعنى عند كما قيل في قوله تعالى : « فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ » (١) والأطراف جمع طريف بمعنى النفيس ، والمراد بهم العلماء فلا يخفى بعده.
« أولئك الخفيض عيشهم » أي هم خفيفو المؤنة يكتفون من الدنيا بأقلها فلا يتعبون في تحصيلها وترك الملاذ أسهل من ارتكاب المشاق ، في القاموس : الخفض الدعة وعيش خافض والسير اللين ، وغض الصوت وأرض خافضة السقيا سهلة السقي ، وخفض القول يا فلان : لينه والأمر هونه ، وفي النعماني : الخشن عيشهم.
« المنتقلة ديارهم » لفرارهم من شرار الناس من أرض إلى أرض أو يختارون الغربة لطلب العلم « إن شهدوا لم يعرفوا » لعدم شهرتهم وخمول ذكرهم بين الناس ، وقيل : لاختيارهم الغربة لطلب العلم « وإن غابوا لم يفتقدوا » أي لم يطلبوا لاستنكاف الناس عن صحبتهم وعدم اعتنائهم بشأنهم وقيل : لغربتهم بينهم كما مر ، وفي القاموس :
افتقده وتفقده طلبه عند غيبته ومات غير فقيد ولا حميد ، وغير مفقود غير مكترث لفقدانه.
« ومن الموت لا يجزعون » لأن أولياء الله يحبون الموت ويتمنونه وقيل : « من » للتعليل والظرف متعلق بالنفي لا المنفي ، والتقديم للحصر أي عدم جزعهم من أحوال الدنيا وأهلها وما يصيبه منهم من المكاره إنما هو لعلمهم بالموت والانتقام منهم بعده ، ولا يخفى بعده « وفي القبور يتزاورون » أي إنهم لشدة التقية وتفرقهم قلما يمكنهم زيارة بعضهم لبعض وإنما يتزاورون في عالم البرزخ لحسن حالهم و
__________________
(١) سورة التوبة : ٣٨.
![مرآة العقول [ ج ٩ ] مرآة العقول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1026_meratol-oqol-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
