.................................................................................................
______________________________________________________
مصنوع مثلكم مردود إليكم ولعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانيتين فإن ذلك كمالها ويتوهم أن عدمهما نقصان لمن لا يتصف بهما ، وهكذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به ، انتهى كلامه صلوات الله عليه وسلامه.
قال بعض المحققين : هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر من مصدر التحقيق ومورد التدقيق ، والسر في ذلك أن التكليف إنما يتوقف على معرفة الله تعالى بحسب الوسع والطاقة ، وإنما كلفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها وشاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم ، ولما كان الإنسان واجبا بغيره عالما قادرا مريدا حيا متكلما سميعا بصيرا كلف بأن يعتقد تلك الصفات في حقه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الإنسان بأن يعتقد أنه تعالى واجب لذاته لا بغيره ، عالم بجميع المعلومات قادر على جميع الممكنات وهكذا في سائر الصفات ولم يكلف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها ومناسبها بوجه ، ولو كلف به لما أمكنه تعلقه بالحقيقة ، وهذا أحد معاني قوله عليهالسلام : من عرف نفسه فقد عرف ربه ، انتهى كلامه.
ثم قال قدسسره : قد اشتمل هذا الحديث على المهم من سمات العارفين وصفات الأولياء الكاملين ، فأوليها الصمت وحفظ اللسان الذي هو باب النجاة ، وثانيها الجوع وهو مفتاح الخيرات ، وثالثها إتعاب النفس في العبادة بصيام النهار وقيام الليل ، وهذه الصفة ربما توهم بعض الناس استغناء العارف عنها ، وعدم حاجته إليها بعد الوصول ، وهو وهم باطل ، إذ لو استغنى عنها أحد لاستغنى عنها سيد المرسلين وأشرف الواصلين وقد كان يقوم في الصلاة إلى أن ورمت قدماه ، وكان أمير المؤمنين علي عليهالسلام الذي ينتهي إليه سلسلة أهل العرفان يصلي كل ليلة ألف ركعة ، وهكذا شأن جميع الأولياء والعارفين كما هو في التواريخ مسطور ، وعلى الألسنة مشهور ، ورابعها الفكر ، وفي الحديث تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة ، قال بعض
![مرآة العقول [ ج ٩ ] مرآة العقول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1026_meratol-oqol-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
