أما والله لقد كنت أخافها عليه وقال هكذا تصنع الموعظة البالغة بأهلها فقال له
______________________________________________________
« هكذا تصنع المواعظ البالغة » ، هكذا في محل النصب نائب للمفعول المطلق لقوله تصنع ، والتقديم للحصر ، والمشار إليه نوع من التأثير ، صار في همام سبب موته « بأهلها » أي بمن تؤثر فيه ، ويتدبرها ويفهمها كما ينبغي.
« فما بالك يا أمير المؤمنين؟ » أي ما حالك حيث لم يفعل العلم بتلك الصفات ، أو ذكرها أو سماعك من الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ما فعل بهمام ، أو لم أتيت بتلك الموعظة مع خوفك عليه؟ فعلى الأول الجواب يحتمل وجوها :
الأول : إن المشار إليه بهكذا التأثير الكامل ، وصيرورته في همام سبب موته لضعف نفسه ، وقلة حوصلته ، وعدم اتصافه ببعض تلك الصفات لا يستلزم صيرورته سببا للموت في كل أحد لا سيما فيه صلوات الله عليه.
الثاني : ما ذكره بعض المحققين : وهو أنه أجابه عليهالسلام بالإشارة إلى السبب البعيد وهو الأجل المحتوم به القضاء الإلهي وهو جواب مقنع للسائل مع أنه حق وصدق ، وأما السبب القريب الفرق بينه وبين همام ونحوه لقوة نفسه القدسية على قبول الواردات الإلهية وتعوده بها ، وبلوغ رياضته حد السكينة عند ورود أكثرها ، وضعف نفس همام عما ورد عليه من خوف الله ورجائه ، وأيضا فإنه عليهالسلام كان متصفا بهذه الصفات لم يفقدها حتى يتحسر على فقدها ، قيل : ولم يجب عليهالسلام بمثل هذا الجواب لاستلزامه تفضيل نفسه ، أو لقصور فهم السائل وهذا قريب من الأول لكن الأول أظهر ، لأنه عليهالسلام أشار إلى الفرق إجمالا بأن الآجال منوطة بالأسباب ، في المواد مختلفة ، فيمكن أن يؤثر في بعض المواد ولا يؤثر في بعضها.
الثالث : أن يكون المعنى أن قولنا هكذا تصنع المواعظ على تقدير كون هكذا إشارة إلى الموت ليس كليا ، بل المراد أنه قد تصنع ذلك إذا صادف قلة ظرف سامعه ، أو غير ذلك ، وليس سببا مستقلا للموت بالنسبة إلى أهلها ، فإن لكل أحد أجلا منوطا
![مرآة العقول [ ج ٩ ] مرآة العقول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1026_meratol-oqol-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
