وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

أعاذ الله الفقه عن أمثال هذه الخرافات » (١).

صدق رحمه الله في جميع ذلك ، ولو زاد على التنديد والملام أضعاف ما فعل لكان في محلّه ولم يكن ملوما عليه ، فإنّ الظالم لم يحجر عليه إلاّ الخروج ، وهذا الفقيه حجر عليه ما لا تحصى من لوازم الحياة.

كلاّ إنّ الشرائع القاسية الوحشيّة لتأنف من ذلك ، فكيف بالحنيفيّة الإسلامية ، لعن الله الحجّاج ، فإنّه على غشمه وظلمه لم يحبس أحدا مثل هذا الحبس.

وأقول بعد ذلك : إنه لا يعقل الفرق في الحكم بين الغاصب الظالم وبين هذا المظلوم ، ولا بد أن يلزّا في قرن (٢) ، فإمّا أن يطلق له ما أطلق لذلك المحبوس أو يمضي حكم هذا الفقيه ، أو المتفقّه كما قال.

والوجه فيه ظاهر ، لأن تبديل الأوضاع إن كان حراما فلا بد أن لا يجوز إلاّ بمقدار الحاجة ولو من المحبوس ظلما لأنّ الضرورات تقدّر بقدرها ، وإن لم يكن حراما فلا حرج فيه على الغاصب أيضا.

ومن ذلك يظهر لك مواقع النّظر في كلام الفصول وغيره ، لأنا لو سلّمنا كون الصلاة عبارة عن حركات وسكنات ، فلا نسلّم حرمتها لما عرفت.

ولا نسلّم أيضا أنّ القيام في المكان المغصوب عين الغصب لأنّ الغصب ـ كما عرفت ـ مباين للأفعال ، والمنطبق على التصرّف فيه مطلق التحيّز ، وهو غير منطبق على شيء من أجزاء الصلاة ، كما قرّره في أول كلامه.

نعم يتمّ ما ذكره لو قلنا بحرمة تبديل الأكوان والأوضاع ، وقد عرفت المنع عنه.

ثم إنّ صاحبنا العلاّمة ـ دام توفيقه ـ حاول تصحيح الصلاة بوجه آخر

__________________

(١) جواهر الكلام ٨ : ٣٠٠.

(٢) اللزّ الشد. يقال : لزّه شدّه وألصقه. والقرن ـ بالتحريك ـ : الحبل. لسان العرب ٥ : ٤٠٥ و ١٣ : ٣٦٦.

٤٠١

فقال في حاشية كتابه :

« إنه يمكن أن يقال بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة ، على تقدير القول بعدم الجواز أيضا ، بأن لم يجعل الأكوان الخاصّة بأنفسها أجزاء للصلاة ، بل الأجزاء الأوضاع والهيئات الحاصلة منها ، فالصلاة في الدار المغصوبة لا تكون من مورد الاجتماع » (١).

ولقد دقّق النّظر وأحسن ، لو لا أنّ الصلاة عند العرف والمتشرّعة جميعها من قبيل الأفعال باعتبار صدورها عن الفاعل ، ومع ذلك ليست جميع أجزاء الصلاة من قبيل الوضع ، فالتكبير والقراءة وواجب الذّكر من مقولة الكيف ، وهي إمّا عين الغصب ، كما قالوه في سائر الأجزاء ، ولا يبعد مساعدة العرف له ، وإمّا مسبّبة عن الغصب كما في الفصول (٢) ، وإمّا كونها سببا له.

أما البطلان على الأول فواضح بلا حاجة إلى بيان.

وعلى الثاني فبما ذكره في الفصول من امتناع مطلوبيّة الفعل مع تحريم سببه.

وعلى الثالث فبما قرّره أستاذ سيّدنا الأستاذ في مسألة مقدّمة الحرام من أنّ المقدّمة المقدورة لترك الحرام إذا انحصرت في واحدة ، فحرمة الفعل تقتضي حرمة تلك المقدّمة ، وعليه بنى الحكم ببطلان الوضوء وإن لم يكن المصبّ منحصرا في المغصوب ، كما ذكره وذكرناه في بحث مقدّمة الواجب.

هذا ، وفي المقام فروع طريفة لو لا خشية الإطالة لذكرنا نموذجا منها ، وحسب الطالب ما فصّل منها في الفصول.

وقد تعدّى قوم الحدّ في الحكم ببطلان الصلاة في موارد لا يحتمل فيها الاتّحاد بينها وبين الغصب ، حتى بلغ بعضهم فيه مرتبة الشطح.

منها : الحكم ببطلانها في الخيمة المغصوبة ، بل المغصوب بعض أطنابها

__________________

(١) درر الفوائد ١ : ١٤٨.

(٢) الفصول الغرويّة : ١٣٧.

٤٠٢

وأوتادها ، بل وفي فيء الجدار المغصوب خلطا بين التصرّف في الغصب وبين الانتفاع به حال الصلاة.

ومنعها بعضهم في الدار المبنيّة جدرانها باللّبن المغصوبة ، وصرّح بعضهم : ولو بلبنة واحدة ، بل في البلد إذا كان في سوره آجرة مغصوبة.

فلو غصب غاصب شبرا من جبل ( قاف ) الّذي يقال : إنه محيط بالدّنيا لكان لازم هذا القائل بطلان الصلاة في كرة الأرض بأجمعها.

وإذا سألت هؤلاء عن المستند في هذه الفتاوى لأجابوك بأنها تعدّ تصرّفا في العرف ، ولطال ما أثقل كأهل العرف بأمثاله ، والله العاصم.

( إجمال القول في مسألة دلالة النهي على الفساد )

هذا كلّه في النهي غير المأخوذ في موضوع الأمر ، وأما المأخوذ فيه ، نحو : صلّ ولا تصلّ في الحرير ، فقد عرفت أنّه خارج عن مسألة الاجتماع ، وهو مورد بحث دلالة النهي على الفساد ، وهو الفرق بين المسألتين.

نعم ، لو كان النهي نهي تحريم لكان لازمه الفساد ، أمّا على الامتناع فظاهر ، وكذلك على جواز الاجتماع لأن الّذي جزء المجوّز هو وجود الجهتين التقييديّتين الّذي ينحلّ الفرد بهما إلى موجودين ، وليس المقيّد شيئا غير المطلق ، وهما متّحدان ، كما أوضحه في الفصول (١) بما لا يحتاج معه إلى زيادة إيضاح.

وما ذكره صاحبنا ـ دام توفيقه ـ من أنه من الممكن أن يكون العمل المشتمل على الخصوصيّة موجبا للقرب من حيث ذات الفعل وإن كان إيجاده في تلك الخصوصيّة مبغوضا (٢). إلى آخر ما ذكره. فباب الإمكان المجرّد لا يسدّ إلاّ

__________________

(١) راجع الفصول الغرويّة : ١٤١.

(٢) درر الفوائد ١ : ١٥٦.

٤٠٣

على تعدّد الواجب ، والممكنات في عالمها كثيرة ، وفي فتح هذا الباب سدّ لإثبات الشروط والموانع في أبواب الفقه ، عباداتها ومعاملاتها.

نعم يستفاد ذلك في بعض المواضع من الأدلة الخاصّة.

هذا حال النهي بحسب مدلوله وهو التحريم ، وأما دلالته عليه ، فقد مرّ غير مرّة أن هيئة النهي لا تدلّ إلاّ على طلب الترك فقط ، فلا دلالة لها بحسب الوضع على فساد ، وغيره.

نعم لا يبعد دلالته عليه باللزوم بالمعنى الأخصّ ، فتكون دلالة لفظية ، ويؤيّده فهم العرف ، ولذا ترى الفقهاء يستدلّون في أبواب الفقه على الفساد بالنهي ، ولعلّ القائل بدلالته عليه شرعا ينظر بطرف خفي إلى هذه السيرة.

وتعجّب المقرّر الفاضل من صاحب الفصول ، وتفرقته بين الوضع واللغة (١) ، وهذا كلام الفصول بنصّه :

« الحقّ أن النهي في العبادات يقتضي الفساد عقلا ، ويلزمه وضعا عرفا ولغة ـ إلى أن قال ـ وأما في المعاملات فلا يقتضيه عقلا ولا وضعا مطلقا ، ويقتضيه بحسب الإطلاق عرفا » (٢) إلى آخر ما ذكره.

ما قاله مطابق لما عرفت من الدلالة اللفظية باللزوم بالمعنى الأخص مؤيدا بفهم العرف ، وعدمها بحسب أصل الوضع. وأين هذا الّذي نسبه إليه هذا الفاضل من التفرقة بين الوضع واللغة ، وتعجّب منه؟ هذا هو العجب.

وأعجب منه قوله في أثناء كلام له : « من غير فرق في ذلك بين أن الدالّ على التحريم هو صيغة النهي ، أو أحد الألفاظ المساوية له في المعنى المذكور ، كما

__________________

(١) انظر مطارح الأنظار : ١٦٣.

(٢) الفصول الغرويّة : ١٤٠.

٤٠٤

في قوله تعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ )(١) خلافا لبعض الأجلّة حيث خصّ الحكم بصيغة النهي ، زعما منه أنّه صريح في الدلالة على الفساد ، وأنّ فرض الكلام فيما إذا استند التحريم إلى العقد ، كأن يقال : يحرم عقد كذا ، فتوجّه النزاع المعروف إليه غير مسلّم وأنت خبير بضعفه فلا حاجة إلى تطويل الكلام فيه » (٢) انتهى بألفاظه ، على ما فيه من التعقيد والإعضال.

ودونك كلام الفصول بنصه : « ثم قد يتخيّل أنّ النزاع في المقام لا يختص بصيغة النهي ، بل يجري فيها وفيما يجري مجراها كلفظ التحريم في قوله تعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ )(٣) الآية ، وذكر الصيغة في العنوان وارد على سبيل التمثيل ، وضعفه ظاهر لأنّ المفهوم من إسناد التحريم إلى المذكورات تحريم وطئهنّ والاستمتاع بهنّ ، وهو صريح في فساد العقد عليهنّ ، لدلالته على نفي ترتب الآثار على عقدهنّ فلا يكون من مسألة الباب.

نعم لو استند التحريم إلى العقد فقيل : يحرم عقد كذا وكذا ، كان من مسألة الباب ، لكن دلالته على الفساد حينئذ غير واضحة. وتوجّه النزاع المعروف إليه غير ظاهر » (٤).

وبيان مراده ـ على وجه أرجو أن يكون فيه رضا لهذا الفاضل وسائر أهل الفضل ـ أنّ النهي الّذي وقع الخلاف في دلالته على الفساد هو الّذي يتعلّق بعنوان عبادة أو معاملة مثلا من غير تصريح بالفساد ، نحو : لا تتزوّج أمة على حرّة أو بنت أخ أو أخت على عمّة وخالة ، فالخلاف في أنّ النهي عن الشيء هل يستلزم عقلا أو وضعا أو عرفا الفساد أم لا؟ يخرج منه التصريح بالفساد قطعا.

__________________

(١) النساء : ٢٣.

(٢) مطارح الأنظار : ١٦٤.

(٣) النساء : ٢٣.

(٤) الفصول الغرويّة : ١٤٠.

٤٠٥

ثم إنّ التصريح بالفساد قد يكون بلفظه نحو : نكاح الشغار باطل. وقد يكون بما هو أبلغ وأفصح ، أعني بنفي الآثار كقولك : من صلّى بلا طهور أو على غير قبلة فليعد صلاته.

وصاحب الفصول وإن ذكر التخصيص بصيغة النهي في أول كلامه ، فعاق ذلك هذا الفاضل عن التأمل في حقيقة مرامه ، لكن أوضحه بقوله : « نعم لو استند التحريم إلى العقد فقيل : يحرم عقد كذا كان من مسألة الباب » (١).

فهل مع هذا التصريح يبقى موقع لتوهّم الخصوصيّة في صيغة لا تفعل؟ أوليس ذلك مبيّنا لإجمال قوله : وفيما يجري مجراها (٢)؟ وأنّ مراده عدم دخول الآية الشريفة وما جرى مجراها في مسائل الباب ، لأنه من التصريح بالفساد بلسان نفي الآثار.

فإن كانت المؤاخذة على كلّي الحكم ، ودعوى أنّ مع التصريح بالفساد يجري فيه النزاع فهذا توهّم يجلّ عنه هذا المحقق الفاضل ومن هو دونه.

وإن كانت على كون الآية منها ومنع كونها من باب التصريح بالفساد ، فالحكم فيه ما ذكره المحقّقون في باب المجمل والمبيّن من أنّ تعلّق التحريم بالأعيان يراد منه نفي الأثر المقصود منه كالأكل في المأكول ، والشرب في المشروب ، فنحو : يحرم الأرنب والخمر ، صريح في حرمة أكل ذاك وشرب هذه.

وكذلك تحريم الأمّهات وسائر من تضمّنته الآية ، المراد منها حرمة الاستمتاع والنكاح قطعا ، وهو ـ كما قال ـ تصريح بالفساد بالتصريح بنفي الآثار.

نعم ، نحو : يحرم عقد كذا ، داخل في النزاع من هذه الجهة ، لأنّ متعلّقة

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٤٠.

(٢) الفصول الغرويّة : ١٤٠.

٤٠٦

الفعل لا العين ، فيأتي فيه القول بأنّ حرمة العقد هل يستلزم فساده أم لا؟

ولكن تردّد صاحب الفصول في شمول النزاع من جهة أخرى ، وهي عدم إحرازه الشرط الّذي ذكره بعد سطر ، وهو تعلّقه بها لنفسها ، وهذا واضح.

ومن عادة هذا المحقّق المقرّر ، أنه متى سنح له اعتراض على الفصول ، فإن وجد له صورة خلاّبة (١) جلاه للنظّار في أزهى بيان وأطوله ، وإن لم يجد له تلك الصورة ترك البيان ، وادّعى على المخاطب خبرته بالضعف ، وجعل ذلك الادّعاء عذرا لعدم البيان والتطويل ، وعلى هذه الوتيرة جرى ، فقال :

« وأنت خبير بضعفه ، فلا حاجة إلى تطويل الكلام فيه » (٢).

آخر مبحث النواهي ، ويليه إن قدّر الله مبحث المنطوق والمفهوم ، والحمد لله وعلى نبيّه الكريم وآله الكرام أفضل الصلاة والتسليم.

يقول المصنّف كان الله له : يعلم القرّاء الكرام وقاهم الله صروف الأيام أنّ كثيرا من المصنفين في فنون العلوم يصدّرون كتبهم بشكوى الزمان ، ويلمحون إلى كساد صنعتهم ، وعدم نفاق سلعتهم ، وعمدة غرضهم الاعتذار عن خطأ يقع منهم فيها أو تقصير.

وإذا كان ممّا يقال به العثار ، فأنا وحرمة العلم ورفيع مقام أهله أولى من أكثرهم بهذا الاعتذار ، ولكني ـ والحمد لله على كلّ حال ـ لا أجد طريقا إلى التفصيل ، ولا يطفي أوار (٣) غيظي الإجمال ، ورأيت أن أسلك جادّة ما سلكها أحد فيما أعلم ، فأختم كتابي بتاريخ زمان التصنيف وبمكانه ، ثم أعرفك بمن لا تجهله ، ثم أدعك وما تعلم.

__________________

(١) خلابة : الخديعة باللسان بالقول اللطيف. مجمع البحرين ٢ : ٥٢ وانظر الصحاح ١ ـ ١٢٢ ( خلب ).

(٢) مطارح الأنظار : ١٦٤.

(٣) أوار بالضمّ : حرارة النار والشمس والعطش. الصحاح ٢ : ٥٨٣ ، القاموس المحيط ١ : ٣٦٦ ، مجمع البحرين ٣ : ٢١١ ( أور ).

٤٠٧

فأقول : فرغ منه مؤلفه في بلدة أصفهان ، ثالث عشر صفر الخير سنة ألف وثلاثمائة ونيّف وخمسين ، وأنا أبو المجد محمّد الرضا آل العلاّمة الثاني الشيخ محمد تقي صاحب ( هداية المسترشدين ).

٤٠٨

باسمه تعالى وبحمده

( القول في المنطوق والمفهوم )

١ ـ ذكروا لكلّ منهما حدودا لا يخلو جميعها من الخلل ، وقد اعترف به في الفصول ، فقال بعد بسط القول في جملة منها :

« الوجه : أن تجعل الحدود لفظيّة تقريبيّة » (١) ومثله أو ما يقرب منه مقال غيره.

فإذا اكتفي بهذا ، فلا حدّ أحسن ولا أوضح ولا أخصر من لفظي العنوانين ، وإن شئت قلت : هما محدودان لا يحتاجان إلى حدّ ، أو هما حدّان ومحدودان معا ، لأن الظاهر من المنطوق هو المعنى الّذي يفهم من الألفاظ التي نطق بها المتكلّم ودلّت بأوضاعها عليه. والمفهوم ـ بقرينة المقابلة ـ هو المعنى الّذي يفهم منها من غير أن يدلّ بأوضاعها عليه.

فقول القائل : إن جاءك زيد فأكرمه ، تدلّ ألفاظه بأوضاعها على وجوب الجزاء عند حصول الشرط ، بخلاف دلالته على عدم الوجوب عند عدمه فإنه معنى يفهم من الألفاظ وتدلّ عليه لكن لا بأوضاعها ، وعليه فكلّ ما دلّ عليه بإحدى الدلالات الثلاث فهو من المنطوق ، وما دلّ عليه بغيرها فهو من المفهوم.

فإذن ، لك أن تقول : المنطوق ما دلّ عليه اللفظ المنطوق به ، والمفهوم ما فهم منه ولم يدلّ عليه اللفظ بنفسه فيشمل قسمي المفهوم : الموافقة والمخالفة ، سواء كان حكما غير مذكور أو حكما لغير مذكور.

ولا يرد عليه أكثر ما أورد على غيره ، فدلالة اللفظ على وجود اللافظ

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٤٦.

٤٠٩

خارجة عن الحدّين لعدم كونها لفظيّة.

ولهذا بعينه ليس منهما دلالته على الأمر بالمقدّمة والنهي عن الضدّ. وتعرف ـ إن تأمّلت ـ عدم ورود سائر ما أوردوه على ما ذكرناه ، وأنه لا حاجة إلى تلك التطويلات المملّة ، ولا إلى الأحجية بإتيان لفظ ( المحلّ ) المخلّ بالمقصود في الحدّ المشهور : ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق ، ولا إلى البحث عن لفظ ( ما ) الواقعة فيه.

وما ذكرناه فرقان بين الداخل والدخيل فيهما ، فقد توسع في المنطوق حتى دخل فيه استفادة أقلّ الحمل من الآيتين (١) الكريمتين.

وأين من المنطوق استفادة حكم من آيتين متفرّقتين غير ناظرة إحداهما إلى الأخرى؟ وهو حكم لا يهتدي إليه إلاّ الألمعي (٢) الفطن بعد ضرب من الاجتهاد.

وكذلك استفادة علّية الوقاع للكفّارة في قوله عليه السلام : « كفّر » بعد قول السائل : واقعت أهلي في نهار شهر رمضان (٣) ، فإنه ليس ممّا دلّ عليه اللفظ بأحد أقسامه الثلاثة ، بل هو أمر استفيد من الخارج وهو أنه لو لم يكن علّة له لاستبعد اقترانه به ، إلى غير ذلك ممّا يظهر لك خروجه عن حدّ المنطوق بما أوضحناه من أن المناط فيه الدلالة اللفظية : المطابقة والتضمن والالتزام بالمعنى الأخصّ.

وتوسّع في المفهوم حتى عدّ منه التعريض الّذي هو من دواع الاستعمال كالتعجيز والتهكّم ، لا أنه مدلول اللفظ.

__________________

(١) الآيتان : ( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) [ الأحقاف : ١٥ ] ( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ) [ البقرة : ٢٣٣ ] حيث إنه يستفاد منهما كون أقل الحمل ستة أشهر مع أنه غير مقصود في الآيتين لأن المقصود في الآية الأولى بيان تعب الأم في الحمل والفصال ، وفي الآية الثانية بيان أكثر مدّة الفصال.

(٢) الألمعي : الذكي المتوقد. القاموس المحيط ٣ : ٨٢ ، الصحاح ٣ : ١٢٨١ ، مجمع البحرين ٤ : ٣٨٨ ( لمع ).

(٣) الحديث مروي عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام.

راجع الكافي ٤ : ١٠٢ ـ ٢ ، الفقيه ٢ : ٧٢ ـ ٣٠٩ ، التهذيب ٤ : ٢٠٦ ـ ٥٩٥ ، الاستبصار ٢ : ٨١ ـ ٢٤٥.

٤١٠

وعدّ منه ترك البيان في موضعه كجواز الجمع بين فاطميّتين ، ومفهوم الجمع ، كما يفهم الندب أو الكراهة عند تعارض الأدلّة ، إلى أشياء من هذا النمط ولا قلامة ظفر ، إذ المناط في المفهوم أن يدلّ اللفظ على قضيّة أخرى يوافقها في الإيجاب والسلب كما في مفهوم الموافقة ، أو يخالفها فيهما كما في المخالفة (١) ، لا كلّ ما علم منه ولو بألف عناية خارجيّة ، فجواز الجمع بينهما إن استفيد فهو مستفاد من ترك الإتيان باللفظ لا من اللفظ ، وفهم الندب أو الكراهة استفادة من دليلين متعارضين ، لا أنه مدلول لأحد اللفظين.

ولك أن تجعل ذلك من باب الاصطلاح الّذي لا مشاحّة فيه ، إذن يسع الخرق ولا يقف على حدّ.

٢ ـ لا فرق في المنطوق بين الحقيقة والمجاز ضرورة إيجاد المعنى في مثل قولك : إذا مدحك شاعر فصله ، وقولك : إذا مدحك فاقطع لسانه ، أو احذر الأسد ، مريدا تارة معناه الحقيقي ، وتارة معناه المجازي من غير فرق بين أن تكون القرينة توقّف صدق الكلام وصحّته عليه ، وبين أن تكون شهادة حال ، أو ضميمة مقال ، فتكون الدلالة في الأوّل اقتضائيّة وفي غيره إيمائية كما في الفصول (٢) ، ولا بين أن تكون القرينة لفظيّة أو عقليّة ، فيندرج الأوّل في المنطوق الصريح ، والثاني في غيره كما عن القوانين (٣).

وهذا واضح إذا عرفت حقيقة المجاز ، راجع ما كتبناه في مسألتي الوضع والاستعمال ليظهر لك جليّة الحال ، وأنه لا فرق بينهما في مقام الإرادة الاستعماليّة ، ولا محلّ لما فصّلاه.

٣ ـ المفهوم من صفات الدلالة أو المدلول؟

__________________

(١) أي مفهوم المخالفة.

(٢) الفصول الغرويّة : ١٤٧.

(٣) قوانين الأصول ١ : ١٦٨.

٤١١

قالوا : إنّ المفهوم من صفات الدلالة أو المدلول ، لا من صفات نفس القضيّة إلاّ أن يتّصف بها بهذا الاعتبار بنحو من التسامح.

وقال صاحبنا طاب ثراه (١) : « إن النزاع في المفاهيم راجع إلى الصغرى ، وأن القضيّة الكذائيّة هل لها مفهوم أم لا » (٢).

أقول : المراد من المفهوم ما يقابل المنطوق ، فكما أنّ المنطوق هو القضيّة التي نطق بها ، فالمفهوم ـ بحكم المقابلة ـ هي القضيّة التي لم ينطق بها ، فإذا كان المنطوق وجوب إكرام ( زيد ) على تقدير المجيء فالمفهوم عدم وجوبه على تقدير عدمه.

وإنما الخلاف في حجّيته وعدمها ، وأنه هل يدلّ عليه اللفظ دلالة معتبرة أم لا؟ ولهذا ترى الغالب في تعبيراتهم أنّ مفهوم اللقب أو العدد حجة أم لا ، أو هما ضعيفان ، وإن كانوا قد يقولون : إن اللقب لا مفهوم له ، تسامحا ، فليتأمّل في مرادهم من أنه من صفات الدلالة أو المدلول ، وفي معنى قوله طاب ثراه : « إن النزاع صغروي » وكيف الجمع بين قوله هذا ، وقوله قبله : « إن المفهوم هو القضيّة غير المذكورة » (٣).

( أقسام المنطوق والمفهوم )

قسّم الأول إلى صريح وغير صريح ، والأخير إلى أقسام لا تجدها إلاّ صرف الاصطلاح.

والثاني إلى مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة ، وهي دلالة الاقتضاء ، ودلالة

__________________

(١) حيث إنّ المؤلّف رحمه الله قد كتب بحث المفاهيم بعد وفاة الشيخ الحائري رحمه الله لذا نراه يعبّر عنه بعبارة « طاب ثراه ».

(٢) درر الفوائد ١ : ١٥٩.

(٣) درر الفوائد ١ : ١٥٩.

٤١٢

التنبيه ، ودلالة الإشارة.

وذلك لأن الدلالة إمّا أن تكون مقصودة بحسب متعارف العرف أم لا وعلى الأول إمّا أن يتوقف صدق الكلام عليه عقلا وشرعا فهو دلالة الاقتضاء كما في حديث الرفع (١) ، لأنه تتوقف صحّته على تقدير المؤاخذة ، وقولك : أعتق عبدك عنّي. فإنه تتوقف على تقدير الملك لتوقّف صحّته عليه شرعا.

أو لا يتوقف على ذلك ، بل يكون مقترنا بما لولاه لبعد الاقتران كحديث الكفارة (٢) ـ الّذي مرّ ذكره ـ وهذا دليل الإيماء والتنبيه.

والثاني وهو ما لا تكون الدلالة مقصودة وهو دليل الإشارة كما في الآيتين السابقتين (٣) ، وغصّه الشيخ الإمام بكلام طويل ، والجميع حال بالخلل خال عن الفائدة ، ولم نتعرّض لهذا الإجمال إلاّ لوقوع هذه الألفاظ في عباراتهم.

وقد أبدع الجلال المحلى في جمع الجوامع ، فجعل من دلالة الإشارة دلالة قوله تعالى : ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ )(٤) على صحّة صوم من أصبح جنبا للزومه جواز الرفث في الليل الصادق بآخر جزء منه.

فإن كان موافقا للمنطوق في الإيجاب أو السلب فهو الموافقة ، ويسمّى فحوى الخطاب ولحن الخطاب.

وقد يفرّق بينهما بأنه إن كان ثبوت الحكم في المفهوم أولى من ثبوته في المنطوق سمّي بالأوّل ، وإن كان مساويا لثبوته له سمّي بالثاني.

ولا إشكال في حجّية الأوّل ، وادّعى الشيخ الإمام في ( الهداية ) الإجماع

__________________

(١) الكافي : ٢ كتاب الإيمان والكفر ، باب ما رفع عن الأمة ، حديث ٢ ، الفقيه ١ : ٣٦ ـ ٤ ، الخصال ٢ : ٤١٧ ـ ٩

(٢) الكافي ٤ : ١٠٢ ـ ٢ ، الفقيه ٢ : ٧٢ ـ ٣٠٩ ، التهذيب ٤ : ٢٠٦ ـ ٥٩٥ ، الاستبصار ٢ : ٨١ ـ ٢٤٥.

(٣) سبقتا في الهامش (١) من صفحة (٤١٠).

(٤) البقرة : ١٨٧.

٤١٣

عليه (١).

وزعم بعضهم أنه من القياس ، وهذا غلط من زاعمه لأن القياس إلحاق ما لا دليل عليه في الحكم بما يدل عليه الدليل ، وقد جعله العاملون بالقياس أحد شرائطه ، بل قال بعضهم : إن مع شمول الدليل لا يتحقق موضوع القياس.

وأين ذلك من هذا المفهوم؟ وهو ظهور لفظي هو أقوى من ظهوره في المنطوق بدرجات كما في آية التأفيف (٢) ، ونظائرها الكثيرة.

ولهذا يقول به من ينكر مطلق القياس حتى بالأولويّة كالشريف المرتضى ، وقد قال بعد إنكار حجّية القياس بالأولويّة ، ما لفظه :

« فإن قلت : إذا أبطلت قياس الأولويّة فكيف يمكنك استفادة تحريم الضرب وباقي أنواع الأذى من الآية ».

« قلت : إنّ القرآن إنما أنزله الله تعالى بلغة العرب ، وأجراه على مقتضى محاوراتهم واصطلاحاتهم ».

وكلّ أحد يعلم من تتبع كلامهم أن فيه الدلالة اللغويّة والعرفية والمطابقة والتضمن والالتزام ، وحينئذ فمثل قوله تعالى : ( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ )(٣) إذا صدر من آحاد العرب لا يكون الغرض منه إلاّ شمول جميع أنواع الأذى من الضرب وغيره ، وناهيك شأن هذا الإمام الأقدام المقدّم في علوم الدين.

واعلم أنه كثيرا ما يؤتى بالجملة توطئة لمفهوم الموافقة والمبالغة فيه ، كما تقول : إن نقصت شعرة من رأس زيد أسقطت رأسك من بدنك ، وعليه فاستفادة حرمة التأفيف من الآية محلّ تأمّل ، وكذلك في موارد كثيرة.

__________________

(١) هداية المسترشدين : ٢٨٠.

(٢) الإسراء : ٢٣.

(٣) الإسراء : ٢٣.

٤١٤

وكثير من الأخبار الواردة في النهي عن المحرمات من هذا القبيل ، فينبغي التنبّه له ، وبهذا يجاب عن الاستبعادات الواردة في موارد كثيرة ، ويخرج آية التأفيف (١) عن باب المفهوم.

وأما الثاني أعني مفهوم المخالفة فهو أقسام ، أهمها :

مفهوم الشرط

اختلفوا في أنّ تعليق الأمر ، بل مطلق الحكم على شرط هل يدلّ على انتفائه عند انتفاء الشرط أم لا؟

هذا هو الترجمة المعروفة والعنوان الرائج لهذه المسألة.

وفي التقريرات : « إنّ لفظ التعليق مشعر بالانتفاء عند الانتفاء ، فلا يناسب أخذه في العنوان ، وغيّره إلى قوله : تقييد الحكم بواسطة ( إن ) وأخواتها (٢) » (٣) إلى آخره.

ولا أدري لما ذا صار لفظ التعليق مشعرا بالانتفاء عند الانتفاء دون لفظ التقييد؟ مع أنّهما لفظان متقاربان في المعنى جدّاً ، كما نبّه عليه في الفصول (٤) ، بل لقائل أن يقول : إنّ التقييد أظهر من التعليق في ذلك.

__________________

(١) الإسراء : ٢٣.

(٢) مثل : إذا ولو.

(٣) مطارح الأنظار : ١٦٩.

(٤) الفصول الغرويّة : ١٤٧.

٤١٥

ثم قال : « وإن كان ذلك أولى ممّا قيل : هل مفهوم الشرط حجّة أم لا ، لظهوره في أنّ النزاع ليس في ثبوت الدلالة ، مضافا إلى أن الشرط ممّا لا موقع له ، أمّا على مصطلح الأصوليّين فلعدم تأتّي النزاع على تقديره ، وأمّا على مصطلح النحاة فلأنّ الشرط ـ عندهم ـ عبارة عن المقدّم في الجملة الشرطيّة ، ولا يطلق على نفس الجملة عندهم » (١).

ولا أعلم مستند ما نقله عن النحاة ، والمعهود عندهم ـ فيما أعلم ـ إطلاقه على نفس الجملة.

قال في الفصول ، بعد تعداد معاني الشرط ، ما لفظه :

« وقد يطلق ويراد به الجملة المصدّرة بإحدى أدوات الشرط كـ ( إن ) وأخواتها ، وهذا هو المراد في المقام ، وعليه جرى مصطلح علماء العربيّة » (٢).

ومن الغريب تصريح المقرّر بخلاف ما قرّره ، وذلك قوله بعد بضعة أسطر ، ولفظه :

« وله في اصطلاح أرباب النحو معنى آخر ، وهو الجملة الواقعة عقيب ( إن ) وأخواتها » (٣).

وأما اعتراضه الأوّل ، فلقائل أن يجيب عنه ، فيقول : إن دعاه إلى جعل النزاع في الحجّيّة كون الدلالة ـ ولو بمرتبة ضعيفة ـ ممّا لا ينكره المنكر في أكثر المفاهيم فكيف بمثل الشرط الّذي يجعله المقرّر منطوقا ، وإنّما الممنوع عنده وصوله إلى حد الظهور الّذي يصلح للاعتماد عليه.

__________________

(١) مطارح الأنظار : ١٦٩.

(٢) الفصول الغرويّة : ١٤٧.

(٣) مطارح الأنظار : ١٧٠.

٤١٦

ثم إن النزاع يمكن تقريره على وجهين :

أوّلهما : أن يكون لفظيّا بمعنى أنّ أدوات الشرط في لغة العرب أو فيها وفي سائر اللغات هل هي موضوعة للانتفاء عند الانتفاء ، أو يستفاد منها بطريق غير الوضع ، وأن الجملة المصدّرة بها هل تنحلّ إلى جملتين يحكم على ثانيتهما بحكم مخالف للأولى أم لا؟

وثانيهما : أنّ نفس التعليق بأيّ لفظ ، بل وبأيّ طريق إذا ثبت هل يقتضي ذلك أو لا يقتضي إلاّ وجود الجزاء إذا وجد المعلّق عليه؟.

الّذي يستفاد من أكثر ما يذكر في هذا المقام هو الأوّل ، فترى مثبت المفهوم يستدلّ بقول اللغويين ، وبمقرّرات النحاة ، وبموارد الاستعمال ، ويعتذر عن الموارد التي استعملت ولا مفهوم لها ، كما أنّ منكره يستدلّ بها (١) إلى غير ذلك من الشواهد التي تطّلع عليها إذا طلبتها.

والأولى أن يكون الثاني محلا للبحث على نسق سائر المفاهيم ، فمفهوم الوصف لا مجال فيه لتوهّم أنّ الصفة موضوعة للانتفاء عند الانتفاء ، أو نحو ذلك.

وإنّما مدّعى المدّعي للمفهوم أنّ تخصيص الصفة بالذكر له ظهور في ذلك فكذلك تعليق الحكم على أمر والاقتصار عليه.

ومنكر المفهوم يمنع الظهور ، ويدّعي عدم المنافاة بين ثبوت الجزاء بما علّق عليه وبين ثبوته بغيره كما يظهر من استشهاد الشريف المرتضى على إنكار

__________________

(١) أي الموارد التي لا مفهوم لها.

٤١٧

المفهوم بقوله تعالى : ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ )(١) مقرّرا ذلك بأنّ تأثير الشرط إنما هو تعليق الحكم به ، وليس يمنع أن يخلفه وينوب عنه شرط آخر يجري مجراه ، ولا يخرج عن كونه شرطا (٢).

وبالجملة ، إن ثبت مفهوم للشرط فليس لوضع ( إن ) وسائر حروف الشرط لذلك ، بل يثبت من التعليق الّذي دلّت أداته عليه ، فالأدوات تدلّ على التعليق ، والتعليق يدلّ على المفهوم ، ولا يختصّ فهم التعليق بها ، بل يفهم بأيّ لفظ ، وبأي دليل ثبت يجري فيه النزاع.

ولذا يجري في الظروف المبنيّة والأسماء المتضمّنة لمعنى الشرط نحو : ( متى ) و ( كلّما ) وفي لفظ الشرط وما اشتقّ منه ، كقولك : الشرط في إكرام ( زيد ) مجيئه ، أو مشروط إكرامه به ، وفيما ثبت من جهة قيام شاهد عليه ، كما في قولك : الّذي يزورني فله درهم ـ راجع الهداية (٣) ـ بل يثبت حيث لا لفظ كما في إشارة الأخرس.

إذا تقرّر ذلك ، نقول : إنه لا شك في ظهور التعليق في اختصاص الحكم إذا لم توجد نكتة صالحة لدفع اللغو والقبح عن كلام المتكلّم ، ولم يقم [ دليل ] قاطع ينافي الظاهر إذ التخصيص بالشرط لا بد له من باعث صالح يدعو إليه.

ألا ترى أنه من القبيح السمج : اقتل ولدي إن شرب الماء أو تنفس

__________________

(١) البقرة : ٢٨٢.

(٢) الذريعة إلى أصول الشريعة ، القسم الأول : ٤٠٦.

(٣) هداية المسترشدين : ٢٨٧.

٤١٨

بالهواء ... أو قولك : إذا كان المسلم طويلا فلا تقتله ، بخلاف قولك : أكرم زيدا إن أكرمك.

واحتمال وجود نكتة أخرى لا يضرّ بالظهور كما لا يضرّ احتمال وجود القرينة الصارفة بظهور اللفظ في المعنى الحقيقي فيدفع هنا بالأصل كما يدفع به هناك.

ثم إن التعليق يدلّ على الملازمة بين الشرط والجزاء بل هو معنى التعليق ، فما في عدّة من الكتب من أنه لا يدلّ إلاّ على الثبوت عند الثبوت ولو من باب المقارنة الاتّفاقية ، فاسد.

وللملازمة ـ كما تعلم ـ أقسام ، والظاهر الغالب كونها من قبيل سببيّة الشرط للجزاء ما لم تكن قرينة على خلافها ، وكون الشرط قابلا للسببيّة.

وبالغ جماعة فجعلوها ظاهرة في العلّة التامّة المنحصرة.

ويكفي في فساده القطع بأنّ من قال : إن أكرمك فأكرمه ، وقال بعده : إن زارك فأكرمه. ليس لكلامه الثاني أدنى مخالفة لكلامه الأوّل.

وأيضا لا شك في صحّة سؤال السامع ، وقوله : إن لم يزرني ولم يكرمني ، ولكن أمرني عالم بإكرامه ، فهل أكرمه أم لا؟ إلى غير ذلك من الشواهد والنّظائر (١).

والأمر في هذا المفهوم بين إفراط وتفريط ، فمن غال فيه فأخرجه عن

__________________

(١) نعم ربّما يكون في مقام الحصر. ( منه قدس سره ).

٤١٩

حدّ المفهوم ، وجعله من أقسام المنطوق ، ومن منكر له أصلا ، والحقّ الوسط بين القولين وهو ما عرّفناك.

هذا خلاصة ما ينبغي أن يقال في المقام ، ويتحمّله هذا الفنّ ويناسبه ، ويغنيك عمّا في مطوّلات الكتب.

ولا يخفى عليك أنّ هذا المفهوم يختلف باختلاف الموارد اختلافا بيّنا ، فإنه قد يقوى حتى يباري المنطوق ، وربّما أربي عليه ، وربّما يضعف حتى يفوقه مفهوم اللقب ، فلا بد للفقيه من ملاحظة مناسبة الأحكام مع الموضوعات ، وربّما يستفاد من غيره من الأدلّة وغير ذلك ممّا لا يخفى على ممارسي الفقه وأولي ذوقه ، والله الهادي.

وقد استبان ممّا قرّرناه أمران :

أوّلهما : أنّ أدوات الشرط كثيرا ما تستعمل في غير التعليق ، وبحث الأصولي إنّما يقع بعد ثبوت استعمالها فيه.

وأما البحث عن الموارد التي لم تستعمل فيها والاعتذار عنها فليس من وظيفة فنّه ، بل هو فريضة علماء اللغة والبلاغة ، فما تجده في مطوّلات الكتب من الإسهاب فيها فهو استطراد بأكثر ما يتحمّله هذا الفنّ.

ثانيهما : أنّ استدلال منكري المفهوم بتلك الموارد ممّا لا وجه له بعد ما عرفت أنّ المحقّقين منهم لا ينكرون صحّة الاستعمال في غير التعليق ، ولا أنّ التعليق قد يكون لغرض آخر غير إفادة المفهوم ، وإنما يقولون بظهور الجملة الشرطية في المفهوم مع عدم القرينة ، وفقدان النكتة الصالحة للتعليق ، غيره.

فاستقصاء المحدّث الحرّ الآيات التي لا مفهوم للشرط فيها التي بلغت

٤٢٠