وقاية الأذهان

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني

وقاية الأذهان

المؤلف:

الشيخ أبي المجد محمّد رضا النجفي الإصفهاني


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٦٢٩
  نسخة غير مصححة

الواجب الّذي في الذمّة ، وإنما تجزي إن كانت واجبة مع عدم الترتيب ، لامتناع إجزاء غير الواجب عن الواجب ، وإنما يعقل الوجوب على التقديرين ، والتأثيم على تقدير واحد بخصوصه بناء على ما قدّمناه ، فلو كان وجوب شيء يقتضي إيجاب ما يتوقف عليه وإن كان مقابله واجبا لامتنع الإجزاء هنا وفي كل موضع أشبهه ، وهذا من غوامض التحقيقات » (١) انتهى المقصود من كلامه قدّس سرّه.

والعلاّمة صاحب البدائع حاول توضيحه ، فأطال البيان ، وحاصل ما يستفاد منه حمل كلامه على الترتّب المشهور المتقدّم بيانه. وقد يحمل على ما سبق ذكره أول البحث (٢) من تجويز تعلق الأمرين المطلقين بالمتزاحمين إذا لم يكونا مضيّقين ، ويدّعى أنّ العقل يجوّز قول السيد لعبده : أريد منك كنس الدار مع تبيّن الفجر بلا تأخير ، ورشّها منه إلى زوال الشمس بأن يكون أول الفجر وقتا للفعلين معا ومختصّا بأولها ، إذ لا مانع إلاّ توهّم لزوم التكليف بما لا يطاق وهو مفقود في المقام ، لتمكّن المكلّف من امتثال الأمرين معا بتقديم هذا وتأخير ذاك.

وكلا الوجهين بعيدان من كلام هذا المحقّق ، وأوّلهما أبعدهما ، إذ الترتّب المشهور متوقف على مشروطية أحد الأمرين وإطلاق الآخر ، وليس في مجموع الكلام المتقدّم نقله عين للشرط ولا أثر ، وأنا أحاشي هذا الأستاذ عن مثل هذا ، وإنما هو من بعض أصحابه الّذي تكلّف تتميم الكتاب.

وأما الثاني فهو صحيح إن كان المراد صلاحية الوقت للفعلين ، ووجود العلاقة اللازم وجودها بين الوقت والموقّت فيهما معا ، كما في وقت الظهرين والعشاءين على ما نقول به من اشتراك الوقت بينهما في جميع الوقتين وإن لزم

__________________

(١) جامع المقاصد ٥ : ١٣ ـ ١٤.

(٢) بدائع الأفكار : ٣٩٠.

٣٢١

تقديم الأوليين لقولهم عليهم السلام : « إذا زالت الشمس دخل الوقتان ـ أو وقت الصلاتين ـ إلاّ أنّ هذه قبل هذه » (١) إلى آخره.

وهذا قد يكون على نحو الشرطيّة إمّا مطلقا أو في خصوص حال التذكّر كما في الصلاتين ، وقد يكون عنوان التقدّم واجبا نفسيّا ، بمعنى أنّ في التقدّم مصلحة ملزمة ، وبتأخيره تفويت تلك المصلحة.

والظاهر أنّ مناسك الحج الّذي ذكرها نقضا من هذا القبيل ، ولكن أين جميع ذلك من دفع الشبهة العقلية؟ ومقابله حكم العقل بامتناع التكليف بما لا يطاق ، وتخصيصه الموسّع بما بعد زمان المضيّق ، لأنّ البعث إليهما معا نفسيّا بعث إلى المستحيل ، وطلب لغير المقدور ، ولا فرق في مناط حكم العقل بالامتناع بين طلب المحال في ساعة واحدة أو في جميع الساعات ، فلو فرض أنّ السيّد أمر هكذا ، فالعقل يحكم بالتخصيص المذكور كي لا يلزم المحذور.

ومن الطريف أنّ صاحبنا العلاّمة أدام الله أيامه حاول تصحيح ذلك ، فجعله مبنيّا على أمرين :

أحدهما : أن لا يكون التخيير بين الأزمنة شرعيّا.

وثانيهما : أن لا يقال باستلزام الأمر بالطبيعة السراية إلى الفرد ، وحاول بعد ذلك تصحيح ذلك مطلقا ، فقال :

« يمكن أن يقال : لا مانع من الأمر حتى على القول بالتخيير الشرعي أو على القول بسراية حكم الطبيعة إلى الأفراد ، لأنّ المانع من التكليف بما لا يطاق ليس إلاّ اللغوية ، وهي مسلّمة فيما إذا كان نفس الفعل غير مقدور كالطيران إلى السماء.

وإذا كان بنفسه مقدورا ـ كما في ما نحن فيه ، غاية الأمر يجب بحكم

__________________

(١) الكافي ٣ : ٢٧٦ ـ ٥ ، الفقيه ١ : ١٣٩ ـ ٦٤٧ ، التهذيب ٢ : ٢٦ ـ ٧٣ ، الاستبصار ١ : ٢٦٠ ـ ٩٣٤.

٣٢٢

العقل امتثال أمر آخر من المولى ـ فلا يلزم اللغويّة ، إذ يكفي في ثمرة وجود الأمر أنه لو أراد المكلّف عصيان الواجب المعيّن يقدر على إطاعة هذا الأمر ، ومن ذلك يظهر أنّ قياس مقامنا بمثال الطيران إلى السماء ليس في محلّه » (١) انتهى.

ولا أدري متى كانت اللّغوية مناطا لقبح التكليف بغير المقدور أو لامتناعه وعهدنا بالقدرة وهي بنفسها شرط في جواز التكليف ، بل في تحقّق الطلب ، وأنّ الإرادة لا يعقل تعلّقها بغير المقدور تشريعيّة كانت أم تكوينيّة ، ولو أمكن إثبات كون اللغويّة هي المناط لسهل بيان الترتّب بلا احتياج إلى ما علمته من المقدّمات.

وبالجملة لم يظهر لنا بعد محمل لهذا القول يليق بمقام قائله ، فكأنه يرى في مسألة فورية القضاء وما كان من بابها وجود أوامر ثلاثة يتعلّق اثنان منها بالواجبين ، وثالث بعنوان التقديم ، كما يدلّ عليه قوله في العبارة المتقدمة : « وإن قدّمت الموسّع فقد امتثلت وأثمت في المخالفة ، والحاصل : أنّ الأمر يرجع إلى وجوب التقديم » (٢) إلى آخره.

وعلى هذا فهو خارج عن حمى مسألتنا هذه التي لا مدخليّة لغرض التقديم فيها أصلا ، بل المناط فيه حكم العقل بالجمع بين الغرضين المتعلّقين بالمتزاحمين ، وحكمه بعدم إمكان البعث إلى المهمّ إذا استلزم عصيان الأهمّ ، بل هو من باب مناسك الحج التي استشهد بها حيث علم من الدليل وجود مصلحة ملزمة في التقديم زيادة على المصلحة الموجودة في أصل الواجبين ، وليس الإجزاء فيها إلاّ لفوت غرض التقديم ، وعدم إمكان تداركه على ما سبق بيانه في بحث الإجزاء.

على أنه مع ذلك يصيبه نصيب من الإشكال ، إذ المجال فيه واسع للسؤال

__________________

(١) درر الفوائد ١ : ١٠٦ ـ ١٠٧.

(٢) جامع المقاصد ٥ : ١٤.

٣٢٣

عن الوجه في جواز أمر الشارع بالموسّع مع تعلّق بعثه الفعلي إلى التقديم الّذي مرجعه إلى إتيان المضيّق فورا ، بل نهيه عن الموسّع بناء على اقتضاء الأمر النهي عن ضدّه.

هذا ، وأما ما ذكره في تضييق الوقت فالوجه فيه ظاهر ممّا مرّ في مقدّمات الترتّب من أنّ الحكم في مرحلة الامتثال للعقل وحده ، وحكمه تقديم الأهم إن كان أحدهما أهمّ ، وإلاّ فالتخيير ، فلا يصح قوله ، مع أنه لا دليل على الترجيح في الأول ، ولا نقول بالترجيح في الثاني ، ولا يمكنه القول به أيضا على مبناه ، ولا بدّ له من الإذعان بما قلناه ، إذ لا أمر بالتقديم في المتساويين قطعا.

هذا كلّه في بيان تصور الأمر بالضدّ إذا كان عبادة.

وقد يدّعى عدم لزوم وجود الأمر في تصحيح العبادة ، وأنه يكفي ملاكه ، كما قال في الكفاية : « لا وجه لصحّة العبادة مع مضادتها لما هو أهمّ منها إلاّ ملاك الأمر » (١) وقد سبق بعض النّظائر له والكلام.

وهذا له وجه على ما قررناه من عدم توقف العبادة على وجود الأمر ، بل يكون عبادة ولو مع النهي ، ولكن كيف يقول به إذا جعل قصد الأمر مقوّما لمعنى العبادة؟ فإنه لا مجال لتوهّم الأمر إذا كانت مزاحمة له في تمام الوقت كما صرّح به.

هذا آخر ما أردنا إيراده في مباحث الأوامر ، ويتلوه القول في النواهي إن شاء الله ، ولله الحمد والفضل ، وعلى نبيّه وآله الصلاة والسلام.

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٣٦.

٣٢٤

( القول في النواهي )

المباحث المتعلّقة بالنهي منها ما يتعلّق بحقيقته ، ومنها ما يتعلّق بالدالّ عليه ، ولمّا كان شريك الأمر في كون كلّ منهما طلبا ، إلاّ أنّ هذا طلب الترك ، وذاك طلب الفعل ، يظهر الحال في أكثر المباحث المتعلّقة بالقسم الثاني ـ كالمباحث المتعلّقة بمطلق الطلب ـ بما تقدّم في مباحث الأمر.

١ ـ فإذن ، النهي بمادّته وصيغته موضوع لطلب ترك متعلّقه ولو كان تركا ، ومستعمل فيه وإن كان بدواع أخر غير الطلب.

ويحمل مجرّده على عدم الرضا بالفعل ( الحرمة ) لا لوضع اللفظ له ، ولا لخصوصيّة فيه من قرينة ونحوها ، بل لتمام الحجّة به وعدم صحة اعتذار المنهي إذا ارتكبه باحتمال كونه للكراهة.

ولذا يجري عمدة ما ذكروه في حمله على التحريم من ذم العقلاء على المخالفة ، وحكمهم باستحقاق العقاب عليها في غير الألفاظ ، كما تقدم.

٢ ـ ويعتبر فيه كالأمر صدوره ممّن تلزم إطاعته ولو ادّعاء بجهة من الجهات من حيث إنه واجب الإطاعة ، ولا يكفي مطلق العلوّ ولا الاستعلاء إن لم يرجع إلى ادّعاء العلوّ ، ولا ممّن تجب إطاعته إذا لم يصدر من جهة وجوب الإطاعة ، ولذا لا يصدق على نهي الملك لغير رعيّته ، والمولى لغير عبده ، ولا على نهي من تجب طاعته إذا لم يصدر من تلك الجهة ، ولذا قال صلّى الله عليه وآله في جواب بريرة لمّا قالت : أتأمرني يا رسول الله؟ : « لا ، بل أنا شافع » (١).

واعتبر بعضهم فيه ـ كالأمر ـ العلوّ والاستعلاء معا ، وخصّه بكل منهما

__________________

(١) سنن الدار قطني ٣ : ٢٩٤ ـ ١٨٣ ، صحيح البخاري ٧ : ٦٢ ، سنن ابن ماجة ١ : ٦٧١ ـ ٢٠٧٥.

٣٢٥

قوم ، واكتفى آخرون بأحدهما ، منهم الشيخ الإمام ـ الجدّ (١) ـ ولكنه شرط في العلوّ عدم ملاحظة خلافه باعتبار نفسه مساويا للمأمور أو أدنى منه ، قال طاب ثراه وهذا لفظه :

« والّذي يدلّ عليه ملاحظة العرف ، أما صدقه مع الاستعلاء وإن خلا من العلوّ فلظهور صدق الأمر بحسب العرف على طلب الأدنى من الأعلى على سبيل الاستعلاء ، ولذا قد يستقبح منه ذلك ، ويقال له : ليس من شأنك أن تأمر من هو أعلى منك.

وأما الاكتفاء بالعلوّ الخالي عن ملاحظة الاستعلاء فلأنّ من الظاهر في العرف إطلاق الأمر على الصيغ الصادرة من الأمير إلى الرعيّة والسيّد بالنسبة إلى العبد وإن كان المتكلم غافلا عن ملاحظة علوّه حين الخطاب كما يتفق كثيرا.

وممّا يشير إليه انحصار الطلب الصادر من المتكلم في الأمر والالتماس والدعاء ، ومن البيّن عدم اندراج ذلك في الأخيرين فتعيّن اندراجه في الأول.

والحاصل : أنهم يعدّون الخطاب الصادر من العالي أمرا إذا لم يخفض نفسه ، وليس ذلك من جهة استظهار ملاحظة العلوّ ، لظهور صدقه مع العلم بغفلته أو الشك في اعتباره بملاحظة خصوص المقام.

وقد يخلو المقام عن ملاحظة الاستعلاء قطعا ، كما إذا رأى السيّد أحدا وشكّ في كونه عبده أو رجلا آخر مساويا له أو أعلى ، فطلب منه شيئا بصيغة الأمر ، فإنّ الظاهر عدّه أمرا إذا كان عبده بحسب الواقع ، ولذا لو عصى العبد مع علمه بكون الطالب مولاه عدّ في العرف عاصيا.

وأما عدم صدقه مع استخفاض العالي نفسه بجعلها مساوية مع المخاطب

__________________

(١) ذكره في بحث الأوامر ، وحيث قد فاتنا تفصيل القول هناك تداركناه في هذا البحث ، وظاهر عدم الفرق بين الأمر والنهي من هذه الجهات. ( منه ).

٣٢٦

أو أدنى ، فلظهور عدّه ـ إذن ـ ملتمسا أو داعيا في العرف ، كما أنه يعدّ المساوي أو الداني مع استعلائه آمرا.

والحاصل : أن الطلب الحاصل بالأمر أو الالتماس أو الدعاء إنما ينقسم إلى ذلك بملاحظة علوّ الطالب أو مساواته أو دنوّه بحسب الواقع أو ملاحظته على سبيل منع الخلوّ ، والعرف شاهد عليه » (١) انتهى ببعض اختصار.

أقول : لا شك في صدق الأمر مع الاستعلاء الخالي عن العلوّ ، ولكنه لا يكون إلاّ بعد ادّعاء العلوّ ولعلّه هو.

وما ذكره من غفلة المتكلم عن ملاحظة علوّه حين الخطاب فلمانع أن يمنع إمكان صدور الأمر مع الغفلة التامّة عن جهة صدوره كما في سائر الإنشاءات ، فكما لا يمكن غفلة البائع أو المطلّق عن كونه مالكا أو زوجا لا يمكن غفلة الآمر عن كونه مولى.

وكما لا يخلو المشتري عن الالتفات ـ ولو إجمالا ـ بأنه يشتري البضاعة لنفسه أو لغيره ، لا يخلو الآمر من الالتفات إلى كونه آمرا أو شافعا.

نعم من الممكن الواقع كثيرا عدم الالتفات التفصيليّ إلى جهة طلبه ، ونظائره في الأفعال الاختيارية غير عزيزة ، كالتنفس وقصد المكان البعيد طول الطريق.

ويتضح لك ذلك إذا فرضت نفسك في محفل وفيهم الأعلى منك ، والمساوي لك ، ومعك عبدك أو خادمك ، فإنك لا توجّه أمرك بإحضار نعلك إلاّ إلى العبد والخادم ، وما ذاك إلاّ لالتفاتك الإجمالي إلى الجهة المذكورة.

وأما توجيه الأمر إلى من يشك في أنه عبده أو غيره فلا ينافي صدوره من الجهة التي اعتبرناها فيه ، غايته ان يكون أمرا احتماليا ، وكم له من نظير في

__________________

(١) هداية المسترشدين : ١٣٢.

٣٢٧

ضروب الإنشاء ، فإنك تخاطب الشيخ المرئي في الظلام إذا احتملت أن يكون إنسانا يفهم الكلام ، والأعمي يلحّ في السؤال باحتمال وجود سامع يرجى منه النوال.

ويرشد إلى كونه امرا اعتذاره من استعلائه وتوجيهه الأمر إليه إذا انكشف له أنه غير عبده ، ومن ذلك يظهر الوجه في عدّ العبد عاصيا إذا خالفه.

وأما انحصار الطلب في الأقسام الثلاثة فما هو إلاّ حصره فيها بحسب مراتب الطالب ، لا بحسب الجهات التي يصدر منها الطلب ، وقد يصدر ممّن تجب طاعته لا من حيث وجوب الطاعة ، ولذا لا يكون أمرا. وقد سمعت قوله صلّى الله عليه وآله : « لا بل أنا شافع » (١).

وكما ينقسم بحسب المرتبة إلى الأقسام الثلاثة تنقسم الشفاعة إليها أيضا وإن (٢) كان اللفظ منصرفا لدى الإطلاق إلى شفاعة الأعلى لغيره. ولو ثبت وجوب قبول شفاعة النبي فلا بدّ أن يكون لدليل آخر غير قوله تعالى : ( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (٣) ونحوه.

ومن هذا يظهر وجه النّظر فيما قرره أخوه ـ العلاّمة ـ في خبر بريرة ، وهذا لفظه : « فنفى الأمر وأثبت الشفاعة وهي للندب » (٤).

وفيما ذكره الفاضل القمي من أنّ « دلالة الأمر على الاستعلاء يقتضي

__________________

(١) سنن الدار قطني ٣ : ٢٩٤ ـ ١٨٣ ، صحيح البخاري ٧ : ٦٢ ، سنن ابن ماجة ١ : ٦٧١ ـ ٢٠٧٥.

(٢) ولذا لا يطلق الشافع على من صلّى الله عليه وآله صلّى الله عليه وآله فهي كالأمر يختص بالعالي مع اشتراكها مع الدعاء بحسب الحقيقة.

ومنه يتضح الجواب عن استدلال المعتزلة على أنّ الشفاعة لا تكون في طلب زيادة الثواب ، وإلاّ لزم أن نكون شفعاء للنبي صلّى الله عليه وآله إذا صلّينا عليه ، وقد وقع في بحث الشفاعة من كتاب التجريد وبعض شروحه ما لا يخلو عن تأمل ، فراجع. ( منه ).

(٣) النساء : ٥٩.

(٤) الفصول الغرويّة : ٦٣.

٣٢٨

الإيجاب والإلزام ، إذ لا معنى لإظهار العلو في المندوب » (١).

وهذا وأشباهه من الخلط بين الجهات التي ينقسم إليها الطلب من التقسيم باعتبار مرتبة الطالب ، أو رتبة الطلب ، أو الجهة التي يصدر منها الطلب ، فتبصّر.

وبالجملة ، لا بدّ في صدق الأمر والنهي إلزاميّين كانا أو غيره من صدورهما من جهة الإطاعة ، نعم الظاهر لزوم حملهما عليها عند الإطلاق ، لنظير ما سبق في وجه حملهما على الوجوب والحرمة ، فراجع.

٣ ـ ولا يدل على فور ولا تراخ ولا استمرار ، بل يدل على طلب عدم الحدث الّذي تعلّقت الهيئة به.

نعم لمّا كان ترك الطبيعة لا يحصل إلاّ بترك جميع الأفراد في جميع الأزمان ، لزمه الفور والاستمرار إلاّ أن تكون الطبيعة مقيّدة بشيء فتتبعها الهيئة.

٤ ـ وهو للكف عن الفعل ، لا لطلب الكف عنه ، كما ذهب إليه أكثر المتقدّمين.

فإن أرادوا لزوم تعلّق النهي به لتوهم أنّ العدم غير مقدور فلا يمكن تعلّق التكليف به ، كما يظهر من حجّتهم المعروفة ، فهو واضح الفساد ، ضرورة أنّ العدم لو كان غير مقدور لم يكن الوجود أيضا مقدورا ، لتساوي نسبة القدرة إلى طرفي الوجود والعدم ، إذ القدرة على أحدهما اضطرار لا قدرة كما في الفصول (٢).

وإن أرادوا عدم حصول الامتثال وما يترتب عليه من القرب والثواب ونحوهما ، كما يظهر من دليلهم المنقول في غاية المأمول ، فهو حسن إلاّ أنه غير مجد في المقام ، إذ لا ملازمة بين ما يتعلّق به التكليف وبين ما يحصل به الامتثال كما

__________________

(١) قوانين الأصول ١ : ٨١.

(٢) الفصول الغرويّة : ١٢١.

٣٢٩

في الأمر.

٥ ـ بيّنا في بحث الأوامر أنّ الطبيعة الصرفة غير قابلة لتعلّق الطلب بها ، وأنه لا بدّ من اعتبار أحد الأمرين من الوجود والعدم وان الوجود الملحوظ قد يكون على نحو الأفرادي ، وقد يكون على نحو العام المجموعي ، وقد يكون على نحو صرف الوجود الّذي يعبّر عنه بناقض العدم وطارده ، وأنّ الأخير هو المتيقّن منه والمعوّل عليه عند الشك ، ونقول بمثله في المقام ، إذ العدم الملحوظ في النهي لا يخلو من أحد هذه الأقسام نحو لا تشرب الخمر ، ولا تأخذ جميع الدراهم التي في الصرّة ، ولا تأكل الثوم يوم الجمعة.

وعلى هذا إذا شك في بقاء النهي بعد المخالفة فمقتضى أصالة البراءة عدمه ، ولكن الغالب على النواهي هو الأول ، إذ النهي يتبع المفسدة الموجبة له ، والغالب فيها تكرّرها بتكرّر الأفراد كتأكّدها في المفاسد القابلة للشدّة والضعف ، والقلّة والكثرة ، والطول والقصر كضرب المؤمن وحبسه.

فلا بدّ في معرفة ذلك من الرجوع إلى الدليل ، فإن وجد عموم أو إطلاق أو غيرهما فهو المتّبع ، وإلاّ فالأصل ما عرفت.

وفي ذوق الفقاهة ومناسبة الأحكام لموضوعاتها ، وملاحظة الحكم الموجبة للنهي ما لا يدع موردا للأصل إلاّ النادر.

ولذا يحكم على من نذر ترك الخمر بالحرمة وإقامة الحدّ في جميع مرّات التكرار ، وبالحنث ، والكفارة في أول المرّات فقط ، وهذا بناء على صدق الحنث على سائر المرّات.

ولمانع أن يمنع ذلك ، ويجعل الحنث كالقتل غير قابل للتكرار ، وهو الظاهر إذ تعدّد الحنث لا يكون إلاّ بتعدّد المنذور ، فلا حنث مع عدم شمول النذر ، ولا شك مع الشمول ، ومع الشك فالمرجع الأصل.

٦ ـ ينقسم النهي إلى ما ينقسم إليه الأمر ، فيكون نفسيّا وغيريّا ، والأول

٣٣٠

واضح ، ومرّ ما يتعلّق بالثاني في بحث الضدّ.

ويكون مطلقا ومشروطا ، ومنجّزا ومعلّقا ، نحو لا تهن زيدا ، ولا تهنه إن زارك ، ولا تكن معه في البلد يوم الجمعة.

ويكون عينيّا وتعينيّا وكفائيا وتخييريّا على خلاف في إمكان الأخير ، وقد يمثّل له بحرمة الجمع بين الأختين ، وفيه نظر إذ العنوان المأخوذ فيها أمر واحد وجودي وإن توقف الامتثال على ترك أحدهما. وتحقيق المقام غير مهمّ ، والمثال غير عزيز.

وللثالث ما لو فرض وجود المفسدة في تزوّج جميع أولادك ، أو الصلاح في ترك أحدهم له.

٧ ـ ثم إنّ النهي لا يستلزم المفسدة في المنهيّ عنه ، كما هو الشائع على الألسنة وان كان الغالب فيه وجودها في متعلّقة ، إذ قد تكون المصلحة في النهي نفسه ، وقد مرّ نظيره في الأوامر ، وقد يكون لفوت المصلحة الملزمة إلاّ أن يقال : إنه حينئذ قسم من المفسدة.

٨ ـ يعرف الحل في عدّة من مسائل النهي مما مرّ في نظائرها في الأمر من غير احتياج للفطن الذكي إلى زيادة بيان كالنهي بعد الحظر ، والنهي عن النهي ، وبقاء الكراهة بعد نسخ الحرمة ، ونسخه قبل وقت العمل.

وأما المسائل التي جرت العادة على التعرّض لها في هذا الباب لكونها تختصّ بالنهي ، أو أنها أنسب به من سائر الأبواب فعدّة مسائل ، أولها وأهمها :

جواز اجتماع الأمر والنهي في فرد واحد وعدمه (١)

والمراد من الجواز الجواز العقلي أعني الإمكان ، وبالاجتماع اجتماعهما

__________________

(١) هذا هو العنوان المشهور الخالي عن القصور ، وربّما يحذف بعض ألفاظه ويكتفي بلفظ. « جواز اجتماع

٣٣١

بجميع خواصّهما حتى التقرّب وضدّه ، والامتثال والمخالفة ، واستحقاق الثواب والعقاب معا.

وما نقل عن القاضي من أن الفعل يسقط في الصلاة عندها لا بها ، فلا يبعد أن يكون مراده التوصليات ، وإن كان يبعده مورد كلامه وهو الصلاة.

والمراد من الأمر والنهي مطلق أقسامهما وإن كانا ظاهرين في النفسيّين الأصليّين العينيّين التعينيّين المطلقين على تفاصيل في بعضها تعرف المهمّ منها في مواقعها ، بل يجري في غيرهما من الأحكام ، أعني الكراهة والاستحباب وفي اجتماع كل حكم مع مثله ، لأنّ محذور اجتماع الأمثال كاجتماع الأضداد ، بل ويجري في مراتب كل منها مع أنفسها.

والحال في اجتماع واجبات ومحرّمات كالحال في اجتماع واجب واحد وحرام كذلك. وكذلك في غيرهما ، إذ لا فرق بين فرد ذي جهتين وبين فرد ذي جهات ، فيتصوّر المسألة بصور كثيرة.

والمراد بالفرد كل موجود خارجي يكون مصداق لطبيعتين إحداهما مأمور بها والأخرى منهي عنها.

__________________

الأمر والنهي » اختصارا لوضوح المراد ، وجريا على سيرة المصنفين في كل فن ، فيقول المتكلّم والأصولي ، مسألة الجزء أو الأجزاء ، فأوجب ذلك انتقاد غير واحد من أهل هذا العصر بأنه يوهم كون النزاع في أمر بديهي الامتناع.

وللخلاص من هذا الإشكال التافه جعل بعضهم النزاع صغرويّا كباب المفاهيم.

وغيّره غيره إلى عبارة طويلة مملّة على خلاف ما يتوخّاه العلماء من اختصار العناوين ، ولو ذكر لفظ الفرد كفاه في الحذر عمّا زعمه اعتراضا.

وأوجب بعضهم لزوم ذكر تعدّد الجهة في الفرد لزعمه أنّ تركه يوهم دخول المطلق الواحد ، ولو فعل ذلك لعاد اعتراضه في ترك تقييد الجهتين التقييديّتين لأنه يوهم دخول التعليليّتين والمناط وغيرهما ، ولم لم يسر اعتراضه هذا إلى غيرها من المسائل فيعترض بترك ذكر المقدّمة الوجوديّة المقدورة في باب مقدّمة الواجب ، وهكذا في سائر مسائل العلوم ، وكل ذلك ناش من الغفلة من أنّ العناوين إنّما تؤخذ على نحو الإجمال. ( منه ).

٣٣٢

وإن شئت قلت : الفرد الّذي له جهتان تقييديّتان يكون باعتبار إحداهما مأمورا به ، وباعتبار الأخرى منهيّا عنه ، ويكون المكلّف قادرا على امتثالهما معا ، وأن لا يسري شيء من المصلحة والمفسدة من أحد الطلبين إلى الآخر ، وأن يكون كلاّ منهما تامّا في مرحلة التكليف.

فاستبان من ذلك خروج الواحد ذي جهة واحدة لأن التكليف به تكليف بالمحال ، بل تكليف محال.

وكذلك (١) الجهتان إذا كانتا تعليليّتين وإن تفارقت الجهتان ، لأنّ تعدّد العلّة لا يقضي بتعدّد المتعلّق.

وكذلك كلّ شيئين متساويين أو متلازمين ، لعدم التمكن من الامتثال وما كان بينهما عموم مطلق مع تعلّق الأمر بالأخص أو عموما من وجه مع انحصار أفراد أحدهما في الآخر.

( اعتبار المندوحة )

واستبان أيضا اعتبار المندوحة في مورد النزاع ، كما صرّح به أكثرهم ، واعتذر في الفصول عمّن ترك التقييد به بأنه اتّكل على وضوحه (٢). وبه صرّح الأستاذ في الفوائد (٣) ، ولكن عدل عنه في الكفاية ، وقال ما حاصله :

إنّ المهمّ في المقام البحث عن كفاية تعدّد الجهة في دفع المحال من اجتماع الضدّين وعدمها ، ولا يتفاوت في ذلك وجود المندوحة وعدمها ، ولزوم

__________________

(١) هذا هو الاصطلاح الشائع هنا وفي كتب المعقول ، وعليه جرى الشيخ الإمام وغيره.

وعن صاحب المناهج وغيره عكس ذلك وهو أنّ النزاع في الجهتين التعليليّتين خارجتان عنه ، والظاهر أن الاختلاف في مجرّد اللفظ والتسمية ، وإلاّ فالمعنى غير قابل للخلاف فيه ، فإطالة بعض أساتيذنا في بيان ذلك مما لا يترتّب عليه فائدة مهمّة. ( منه ).

(٢) الفصول الغروية : ١٢٤.

(٣) فوائد الأصول : ١٤٤.

٣٣٣

التكليف بالمحال بدونها محذور آخر (١).

وأرى أنّ رأيه الأول المطابق لآراء القوم أصوب من هذا الّذي تفرّد به ، لأن المفروض ـ كما علمت ، ويدل عليه عنوان المسألة ـ وجود التكليفين وتنجزهما ، وكون اختيار المكلّف الفرد المجامع للحرام في مقام الامتثال من سوء اختياره ، ومع عدم المندوحة لا تكليف حتى ينازع في حصول الامتثال به.

وبالجملة نزاع القوم في مقام الامتثال بعد فرض الأمر ، ومع عدمها لا أمر إلاّ أن يغيّر عنوان المسألة ، فشأنه حينئذ وذاك.

( اعتبار وجود المناط )

واستبان أيضا : أنه لا بدّ من وجود المناط في الحكمين معا في مورد الاجتماع ، إذ الحكم ينتفي بانتفاء مناطه ، فيتخلّص الفرد للجهة الشاملة للمناط ، وما أشبه المقام من هذه الجهة بباب التزاحم الّذي عرفت القول فيه في مسألة الضدّ.

وحينئذ إن علم وجودهما فيهما ولو بدليل اجتهادي من عموم أو إطلاق فلا إشكال ، وإلاّ فالمرجع الأصل وهو الاشتغال في جانب الأمر ، والبراءة في جانب النهي ، فتأمل.

واعترض عليه بعض أعلام العصر ـ فسح الله في عمره ـ بأن النزاع يجري حتى على قول الأشاعرة المنكرين لتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد.

وفيه أنّ الملاك بالمعنى الّذي يعني هاهنا ويعتبر في مورد النزاع أعم من المصلحة والمفسدة ، وهو الّذي يعبّر عنه في المخلوق بالغرض ، وفي مقام القدس

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٥٣ ـ ١٥٤.

٣٣٤

بما لا يستلزم الاستكمال المحال في أفعاله تعالى (١).

( جريان النزاع في العموم المطلق )

ويجري النزاع في العموم من وجه بالشرط المتقدم ، وأما العموم المطلق ، فقد صرّح الفاضل القمي بخروجه عن محل النزاع وجعله الفارق بينه وبين مورد النزاع الآتي ( اقتضاء النهي الفساد ) وقال في الفصول ما نصّه :

« لا فرق في موضع النزاع بين أن يكون بين الجهتين عموم من وجه ، كالصلاة والغصب ، وبين أن يكون بينهما عموم مطلق مع عموم المأمور به ، كما لو أمره بالحركة ونهاه عن التداني إلى موضع مخصوص ، فتحرّك إليه ، فإنّ الحركة والتداني طبيعتان متخالفتان ، وقد أوجدهما في فرد واحد ، والأولى منهما أعم.

وبعض المعاصرين خصّ موضع النزاع بالقسم الأول ، وجعله فارقا بين هذا النزاع والنزاع الآتي في الفصل اللاحق ، حيث يختص بالقسم الثاني ، وقد سبقه إلى ذلك غيره.

وأنت خبير بأن قضية الأدلّة الآتية في المقام ، وإطلاق عناوين كثير منهم ، عدم الفرق بين المقامين ، وسيأتي تحقيق الفرق بين النزاعين » (٢).

وقال في المسألة الآتية ما نصّه أيضا : « اعلم أنّ الفرق بين المقام والمقام المتقدّم ، وهو أنّ الأمر والنهي هل يجتمعان في شيء واحد أو لا؟ أما في المعاملات فظاهر ، وأما في العبادات فهو أن النزاع هناك فيما إذا تعلّق الأمر والنهي

__________________

(١) الغرض بهذا المعنى هو الفارق بين الأفعال الاختياريّة وغيرها ولا ينفكّ عنه حتى أفعال المجانين ، إذ الفرق بين أفعالهم وبين أفعال العقلاء هو أنّ أغراضهم غير عقلائية ، بخلاف أفعال العقلاء ، فتذكّر ما مرّ في بحث الإرادة من أنّ معناها العلم بالصلاح أو الأصلح فليكونا هما المراد في المقام أو ما يقاربهما.

( منه ).

(٢) الفصول الغرويّة : ١٢٥.

٣٣٥

بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة وإن كان بينهما عموم مطلق. وهنا فيما إذا اتّحدتا حقيقة وتغايرتا بمجرد الإطلاق والتقييد بأن تعلّق الأمر بالمطلق ، والنهي بالمقيّد.

وما ذكره بعض المعاصرين في بيان الفرق من أن النزاع هناك فيما إذا كان بين الموردين عموم من وجه ، وهنا فيما إذا كان بينهما عموم مطلق. فغير مستقيم. وقد مرّ التنبيه عليه » (١).

وفي التقريرات ما بعضه : « إنّ ظاهر هذه الكلمات يعطي انحصار الفرق بين المسألتين في اختصاص إحداهما بمورد دون الأخرى ، وليس كذلك ، بل التحقيق أنّ المسئول عنه في إحداهما غير مرتبط بالأخرى.

وتوضيحه : أنّ المسئول عنه في هذه المسألة هو إمكان اجتماع الطلبين فيما هو الجامع لتلك الماهيّة المطلوب فعلها ، والماهية المطلوب الترك من غير فرق في ذلك بين موارد الأمر والنهي ، فإنه كما يصح السؤال عن هذه القضيّة فيما إذا كان بين المتعلّقين عموم من وجه ، فكذا يصح فيما إذا كان عموم مطلق ، سواء كان من قبيل قولك : صلّ ولا تصلّ في الدار المغصوبة. أو لم يكن كذلك.

والمسئول عنه في المسألة الآتية هو أن النهي المتعلّق بشيء هل يستفاد منه أنّ ذلك الشيء مما لا يقع به الامتثال؟ حيث إنّ المستفاد من إطلاق الأمر حصول الامتثال بأيّ فرد كان ، فالمطلوب فيها هو استعلام أنّ النهي المتعلّق بفرد من أفراد المأمور به هل يقتضي رفع ذلك الترخيص الوضعي المستفاد من إطلاق الأمر ، أو لا؟ ولا ريب أنّ هذه القضيّة كما يصح الاستفسار عنها فيما إذا كان بين المتعلقين إطلاق وتقييد ، فكذلك يصح فيما إذا كان بينهما عموم من وجه كما إذا كان بينهما عموم مطلق.

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٤٠.

٣٣٦

وبالجملة إنّ اختلاف المورد لا يصير وجها لاختلاف المسألتين ، بل لا بدّ من اختلاف جهة الكلام ، وعلى اختلافهما لا يحتاج إلى التجشّم المذكور » (١).

وفي الكفاية بعد نقل عبارة الفصول في المسألة الآتية والتصريح بفساده :

« إنّ مجرّد تعدّد الموضوعات وتغايرها بحسب الذوات لا يوجب التمايز بين المسائل ما لم يكن هناك اختلاف الجهات ، ومعه لا حاجة أصلا إلى تعدّدها ، بل لا بدّ من عقد مسألتين مع وحدة الموضوع وتعدّد الجهة المبحوث عنها ، وعقد مسألة واحدة في صورة العكس كما لا يخفى » (٢).

أقول : كلام الفصول ينحلّ إلى أمرين : أحدهما : شمول النزاع للعموم من وجه ، وهذا أمر لم ينفرد به صاحبه ، وقد نقله أخوه الإمام عن الفاضل الشيرازي وجمال المحقّقين ، وجنح إليه بقوله : « والوجه العقلي الّذي ذكروه جار فيه » (٣). ولا أظنّ بأحد من أهل العلم إذا تأمل وأنصف أن لا يقول بمقاله.

وثانيهما : الفرق بين المسألتين بما أورده عليه بعينه ، لكن بعبارة أجلى وأخصر ، وكلامه الّذي نقلوه ونصبوه هدفا لسهام الاعتراض صريح فيه ، فانظر ـ رعاك الله ـ بطرف التأمل والإنصاف تجده قد نقل عن معاصره الفرق الموردي بين المسألتين ، وبيّن عدم ارتضائه مرّتين ، وأرجى بيان الفرق المختار عنده إلى المسألة الآتية.

ثم بيّن فيها أنّ الفرق هو تعلّق الأمر والنهي في مسألة الاجتماع بطبيعتين متغايرتين ، وفي المسألة الأخرى بطبيعة واحدة.

وهل ترى وجها لإناطة البحث بذلك إلاّ تعدّد الجهة؟ ألا يغني الفطن الّذي لا يجمد على ظواهر الألفاظ عن التصريح بلفظ الجهة؟ ولا أدري مع ذلك

__________________

(١) مطارح الأنظار : ١٢٨.

(٢) كفاية الأصول : ١٥١.

(٣) هداية المسترشدين : ٣٢٧.

٣٣٧

كيف استظهر المقرّر كونه في مقام الفرق بين المسألتين عند تعرضه لكلام معاصره!؟

وسرعان ما حكم صاحب الكفاية بالفساد قبل أن يتضح له المراد ، وإن كان ثمّ مجال للاعتراض فليكن على البادئ المدّعي ( الفاضل القميّ ) لا على المعترض عليه.

وبالجملة كلام الفصول صريح في أن الفرق بين المسألتين بحسب الجهة لا بحسب المورد.

وبديع لعمري في صناعة العلم أن ينسب إلى عالم ما ردّه على غيره ، ثم يرد بضاعته إليه في صورة الاعتراض عليه.

ثم إنّ ادّعاه صاحب الكفاية في آخر كلامه أعني قوله : « لا بدّ من عقد مسألتين » إلى آخره (١). فلنا حق مطالبته بالدليل على ذلك ، والسؤال عن البرهان الّذي حجر على مصنّفي العلوم خلاف مرسومه ، وألزمهم بعقد مسألة واحدة مع تعدّد المورد واتّحاد الجهة ، ولكن نؤجّل تقاضيه إلى وقت آخر.

ثم إنّ ما وقع في كلام المقرّر من قوله : « سواء كان من قبيل قولك : صلّ ولا تصلّ في الدار المغصوبة » إلى آخره (٢). وظاهره جريان نزاع المقام حتى فيما لو كان أحد العنوانين مأخوذا في الآخر.

وهذا فاسد قطعا. ولعلّه من قصور تعبير المقرّر الفاضل ، وذلك لأنّ المطلق ليس عنوانا في قبال المقيّد ، ولا يعقل اقتضاء الإطلاق شيئا واقتضاء التقييد شيئا آخر ، إذ المقيّد هو تلك الطبيعة مع لحوق بعض الاعتبارات بها.

وقد نبّه عليه صاحب الفصول في المسألة الآتية عند بيان أولويّة الفساد

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٥١.

(٢) مطارح الأنظار : ١٢٨.

٣٣٨

فيها عن هذه المسألة بما بعضه بلفظه :

« لما كان تعلّقهما في البحث السابق بطبيعتين متغايرتين فربّما أمكن توهّم جواز الاجتماع من حيث تغاير كلّ من المتعلّقين في حدّ نفسه ، وأمّا في المقام فإنّما يتعلّقان بطبيعة واحدة ذهنا وخارجا ، ضرورة أن المطلق والمقيّد متّحدان ذاتا وإنّما يتغايران بحسب الإطلاق والتقييد ، فإن الماهيّة التي لا يلاحظ معها شيء هي عين تلك الماهيّة إذا أخذت ببعض الاعتبارات » (١).

( ابتناء المسألة على أنّ متعلّق الأحكام الطبائع أو الأفراد )

قد يتوهّم أنّ القائل بتعلّق الحكم بالأفراد لا يمكنه القول بجواز الاجتماع لاتّحاد المتعلّقين ، بخلاف القائل بتعلّقها بالطبائع ، ولذا يدرج بعضهم ذلك النزاع في هذه المسألة ، وترى القائل بالمنع ينتصر للقول الثاني ، ويجعله أساس حجّته ، ويزعم أنّه لو ألزم خصمه بقبوله لتمّ له الفلج ويلحّ المجوّز في ردّه ، والاستدلال على القول الأول ظنّا منه أنّ بإثباته يثبت مدّعاه ، ويتمّ له الظفر على مخالفه.

ولا يخفى أنّ هذا النزاع على طوله وقلّة طائله لا محصّل له ، إلاّ أنّ الوجود اللازم اعتباره في متعلّق الطلب هل هو وجود الفرد أو وجود الطبيعة؟ وبعبارة أخرى : إنّ الواجب على المكلّف إيجاد هذا أو تركه؟ أو إيجاد هذه أو تركها؟ وأيّا كان لا شك في وجود الجهتين حتى في الفرد.

فإن كان وجودهما كافيا لدفع التضادّ أمكن القول بالجواز لأنه فرد لطبيعتين.

وإن شئت قلت : إنّ الفرد الخارجي ينحلّ إلى فردين موجودين بوجود

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ١٤١.

٣٣٩

واحد.

وإن لم يجد تعدّد الجهتين فلا سبيل إلى القول بالجواز ولو كانت الطبيعة متعلّقة الأحكام.

نعم لو أفرط القائل بتعلّقها بالأفراد وجعل التشخّصات اللازمة لوجود الطبيعة متعلّقة للتكليف ، فلا جرم يلزم اجتماع الضدّين ، ولا يجدي في دفعه تعدّد الجهة ولكنه احتمال بعيد ، بل مقطوع بعدمه ، إذ المشخّصات لمتعلّق الإرادة التشريعيّة كالمشخّصات لمتعلّق الإرادة التكوينيّة لا يتعلّق بها الغرض ، بل لا تخطر ببال الآمر.

ولا يقاس ذلك بمقدمات المطلوب ، إذ الفرق بيّن بين لوازم الوجود وبين أجزاء علّته ، وقد سبق بعض القول فيه في بحث مقدّمة الواجب ، وتعرف جلية الحلّ في مسألة متعلّق الطلب عند بيان دليل جواز الاجتماع الّذي اعتمد عليه السيد الأستاذ طاب ثراه.

( ابتناء المسألة على مسألة أصالة الوجود أو الماهية )

شاع في زماننا نسبة ابتناء هذه المسألة على الخلاف في مسألة أصالة الوجود أو الماهيّة إلى صاحب الفصول ، وأوّل من نسب ذلك إليه واعترض عليه صاحب الكفاية في كتابيه ، فقال في الفوائد في أثناء كلام له :

« فظهر عدم ابتناء المسألة على القول بأصالة الوجود أو الماهية كما تخيّله الفصول » (١) وفي الكفاية (٢) ما يقرب منه.

ثم تبعه المعاصرون في النسبة والاعتراض ، وحاصل اعتراضاتهم على اختلاف عباراتهم : أنه لا شك في ثبوت أمر في الخارج سواء كان مطابق الوجود بالذات

__________________

(١) فوائد الأصول : ١٥١.

(٢) كفاية الأصول : ١٥٩.

٣٤٠