🚘

الأسماء الثلاثة الإله ، الربّ ، والعبادة

الشيخ جعفر السبحاني

الأسماء الثلاثة الإله ، الربّ ، والعبادة

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
ISBN: 964-6243-00-2
🚘 نسخة غير مصححة

الشريف في الجسم الجامد تأثيراً وأنّه يجوز للمسلمين أن يتبرّكوا به عبر القرون.

ثمّ إنّ المعلّق استثنى مسح قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتبرك به ، ومنعهما وقال في وجهه :

«وأمّا جواز مسّ قبر النبيّ والتبرّك به فهذا القول غريب جدّاً لم أر أحداً نقله عن الإمام ، وقال ابن تيمية في الجواب الباهر لزوار المقابر (ص ٣١) : اتّفق الأئمّة على أنّه لا يمسّ قبر النبيّ ولا يقبله ، وهذا كلّه محافظة على التوحيد ، فإنّ من أُصول الشرك بالله اتّخاذ القبور مساجد». (١)

لكن يلاحظ عليه : كيف يقول : لم أجد أحداً نقله عن الإمام ، أو ليس ولده أبو عبد الله راويةَ أبيه ووعاء علمه وهو يروي هذه الفتوى وثقة عند الحنابلة.

وأمّا التفريق بين مسّ المنبر والقبر بجعل الأوّل نفس التوحيد ، والثاني أساس الشرك ، فمن غرائب الأُمور ، لأنّ الأمرين يشتركان في التوجّه إلى غير الله سبحانه ، فلو كان هذا محور الشرك ، فالموضوعان سيّان ، وإن فرّق بينهما بأنّ الماسّ ، ينتفع بالأوّل دون الثاني لعدم مسّ جسده بالثاني فلازمه كون الأوّل نافعاً والثاني أمراً باطلاً دون أن يكون شركاً على أنّ تجويز الأوّل يرجع إلى القول بأنّ لبدنه تأثيراً فيما يقصد لأجله التبرّك وهو عين الشرك عند القوم فما هذا التناقض في المنهج يا ترى.

ولو رجع المحقّق إلى الصحاح والمسانيد وكتب السيرة والتاريخ ، لوقف على أنّ التبرّك بالقبر ومسّه ، كان أمراً رائجاً بين المسلمين في عصر الصحابة والتابعين ، ولأجل إيقاف القارئ على صحّة ما نقول نذكر نموذجين من ذلك :

١ ـ إنّ فاطمة الزهراء عليها‌السلام ـ سيدة نساء العالمين بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ حضرت عند قبر أبيها وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي وتقول :

ما ذا على من شمّ تربة أحمد

ألّا يشمّ مدى الزمان غوالياً

__________________

(١) تعليقة المحقّق ، نفس الصفحة.

٨١

صُبَّتْ عليَّ مصائب لو أنّها

صُبَّتْ على الأيّام صِرنَ ليالياً (١)

إنّ هذا التصرّف من السيدة الزهراء المعصومة عليها‌السلام يدل على جواز التبرّك بقبر رسول الله وتربته الطاهرة.

٢ ـ إنّ بلالاً ـ مؤذّن رسول الله ـ أقام في الشام في عهد عمر بن الخطاب فرأى في منامه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول :

«ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آنَ لك أن تزورني يا بلال؟».

فانتبه حزيناً وَجِلاً خائفاً ، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه ، فأقبل الحسن والحسين عليهما‌السلام فجعل يضمّهما ويقبّلهما ... إلى آخر الخبر. (٢)

والحقّ انّ الاختلاف بين السلف الصالح ، والخلف!! غير مختص بهذا المورد بل هناك موارد كان السلف يراها نفس التوحيد ، ويراها الوهابيون عين الشرك وإن كنت في شكّ فلاحظ ما يلي :

١ ـ قال ابن حبّان : «في شأن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليهما‌السلام : «قد زرته مراراً ، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات الله على جدّه وعليه ، ودعوت الله ازالتها عني إلّا استجيب وزالت عني تلك الشدة ، وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك. (٣)

٢ ـ نقل ابن حجر العسقلاني عن الحاكم النيسابوري أنّه قال : «سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول : خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة ، وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك

__________________

(١) لقد ذكر هذه القضية جمع كثير من المؤرخين ، منهم السمهودي في وفاء الوفا ٢ : ٤٤٤ ـ والخالدي في صلح الاخوان : ٥٧ ، وغيرهما

(٢) ابن الأثير : أُسد الغابة ١ : ٢٨ ، وغيره من المصادر.

(٣) ابن حبان : كتاب الثقات ، ج ٨ ، ص ٤٥٧.

٨٢

متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا عليهما‌السلام بطوس قال : فرأيت من تعظيمه يعني ابن خزيمة لتلك البقعة تواضعه لها وتضرعه عندها ما تحيرنا». (١)

٣ ـ وقال أحمد بن يحيى الونشريسى المتوفى بفاس عام ٩١٤ في كتابه القيم : «المعيار المعرب» سئل سيدي قاسم العقباني عمّن جرت عادته بزيارة قبر الصالحين فيدعو هناك ويتوسل بالنبيّ عليه‌السلام وبغيره من الأنبياء صلوات الله على جميعهم ، ويتوسل بالأولياء والصالحين ويتوسل بفضل ذلك الولي الّذي يكون عند قبره على التعيين ، فهل يسوغ له هذا ويتوسل إلى الله في حوائجه بالولي على التعيين؟ وهل يجوز التوسل بعمّ نبيّنا أم لا؟

فأجاب يجوز التوسل إلى مولانا العظيم الكريم بأحبائه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد توسل عمر بالعباس رضي الله عنهما ، وكان ذلك بمشهد عظيم من الصحابة والتابعين ، وقَبِلَ مولانا وسيلتهم وقضى حاجتهم وسقاهم. وما زال هذا يتكرر في الّذين يُقتدى بهم فلا ينكرونه ، وما زالت تظهر العجائب في هذه التوسلات بهؤلاء السادات نفعنا الله بهم وأفاض علينا من بركاتهم. وورد في بعض الأخبار انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علّم بعض الناس الدعاء فقال في أوّله قل : اللهمّ انّي أُقسم عليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة. فقال الإمام الأوحد عزّ الدين بن عبد السّلام : هذا الخبر إن صحّ يحتمل أن يكون مقصوراً على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لانّه سيّد ولد آدم ، ولا يُقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء ، لانّهم ليسوا في درجته ، وأن يكون هذا إنّما خصّ به نبيّنا على علوّ درجته ومرتبته انتهى. (٢)

ترى انّ السلف الصالح يتلقى هذه الأُمور ، بفطرتهم السليمة أُموراً مشروعة ، غير مخالفة للتوحيد ، بينما الوهابيين يدّعون انّ هذه الأُمور ، تنافي التوحيد وتقارن

__________________

(١) ابن حجر : تهذيب التهذيب ، ج ٧ / ٣٨٨.

(٢) المعيار المعرب عن فتاوى علماء افريقية والأندلس والمغرب ، ج ١ / ٣١٧ ـ ٣٢٢.

٨٣

الشرك ، من دون أن يقيموا دليلاً على مخالفتها للتوحيد ، إلّا الاعتماد على أقوال ابن تيمية وآرائه مكان الاعتماد على الكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح ، فهم مقلده أقوال الرجال ، وقد سيطرت على عقولهم ، مكان استنطاق الذكر الحكيم والسنة النبوية.

غيري جنى وأنا المعاقب فيكم

أنّ موقف الكاتب أبي الأعلى المودودي من الوهابية موقف الدعم والتأييد وقد صب نزعاته في كتابه «المصطلحات الأربعة» فقد ألف ذلك الكتاب لغاية دعم المبادئ الوهابية تحت غطاء تفسير المصطلحات الأربعة ومع ذلك كلّه فقد صدرت منه عن «لا وعي» كلمة حق لو كان سائراً على ضوئها لأصاب الحقيقة قال : «وصفوة القول أنّ التصور الذي لأجله يدعو الإنسان الإله ويستغيثه ويتضرع إليه هو لا جرم تصور كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعية وللقوى الخارجة عن دائرة نفوذ قوانين الطبيعة».

هذا كلامه وهو تعبير عن عقائد الوثنيين الذين لا يصدرون في توسلاتهم واستغاثاتهم إلّا عن هذا المبدا وأين ذلك من توسل المسلمين الذي يتوسلون بالنبي وآله ، لأجل أنّهم عباد صالحون «لا يعصون الله في ما أمرهم وهم بأمره يعملون» فالحافز على التوسل والاستغاثة ليس إلّا ذلك لا انّهم أصحاب السلطة على قوانين الطبيعة مع الاعتراف بانّهم عباد لا يملكون لأنفسهم موتاً ولا حياة ولا نشوراً.

تصور خاطئ :

انّ الكاتب مع أنّه نطق بالحقّ والحقّ ينطق به المنصف والعنود ، أراد اضفاء الشرك على التوسلات الدارجة بين المسلمين فذكر انّ السبب لها ليس إلّا اعتقاد المتوسل أنّ للنبي مثلاً نوعاً من أنواع السلطة على نظام هذا العالم

٨٤

وكذلك من يخاف أحداً يرى انّ سخطه يجرّ عليه الضرر ومرضاته تجلب له المنفعة فلا يكون مصدر اعتقاده ذلك وعمله إلّا ما يكون في ذهنه من تصوّر أنّ له نوعاً من السلطة على هذا الكون فلا يبعثه عليه إلّا اعتقاده فيه انّ له شركاً في ناحية من نواحي السلطة الأُلوهية. (١)

أنّ ما ذكره من مبدأ التوسل وانّه الاعتقاد بأنّ للمتوسل به نوعاً من السلطة على هذا الكون ، إنّما ينطبق على توسل المشركين بأصنامهم وأوثانهم فقد كانوا معتقدين بمالكيتها لبعض الشئون الإلهية ولا أقلّ سلطنتها على الغفران والشفاعة النافذة وأين ذلك من توسل المسلمين بأحباء الله بما انّهم عباده الصالحون لو دَعوا لأجيبوا بتفضل منه سبحانه لا الزاماً وايجابا ـ والدليل على ذلك انّه سبحانه دعى في غير واحدة من الآيات إلى التوسل بالنّبي فقال سبحانه : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (النساء / ٦٤) حتى انّه سبحانه ذمّ المنافقين لأجل اعراضهم عن النبي وعدم طلبهم استغفاره قال سبحانه : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (المنافقون / ٥).

ومن يتوسل من المسلمين بعد رحيل نبيهم الأكرم فإنّما يتوسل بنفس ذلك الملاك الموجود في زمن حياته لا بملاك انّه مسيطر على العالم ، واختصاص الآية ـ على زعمهم ـ بحياة النبيّ لا يضر بالاستدلال ، لانّ الهدف هو انّ الداعي للتوسل في كلتا الفترتين أمر واحد سواء اختصت الآية بفترة الحياة أم لا.

انّ الكاتب المودودي أخذ البريء بجرم المعتدى فنسب عقيدة الوثنيّين إلى المسلمين وجعل الدعوتين من باب واحد وصادرتين من منشأ فارد وليس هذا إلّا قضاءً بالباطل ولا تزر وازرة وزر أُخرى.

__________________

(١) المودودي : المصطلحات الأربعة / ١٨ ـ ١٩.

٨٥

الفصل الرابع

في حصر الاستعانة في الله

إنّ التوسل بالنّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإن كان استعانة به لكنّه لا ينافي حصر الاستعانة بالله تبارك وتعالى وذلك أنّ المسلمين في أقطار العالم يَحصرون الاستعانة في الله سبحانه ومع ذلك يستعينون بالأسباب العادية ، جرياً على القاعدة السائدة بين العقلاء ، ولا يرونه مخالفاً للحصر ، كما أنّ المتوسّلين بأرواح الأنبياء يستعينون بهم في مشاهدهم ومزاراتهم ولا يرونه معارضاً لحصر الاستعانة بالله سبحانه ، وذلك لأنّ الاستعانة بغير الله يمكن أن تتحقق بصورتين :

١ ـ أن نستعين بعامل ـ سواء أكان طبيعياً أم غير طبيعي ـ مع الاعتقاد بأنّ عمله مستند إلى الله ، بمعنى أنه قادر على أن يعين العباد ويزيل مشاكلهم بقدرته المكتسبة من الله وإذنه.

وهذا النوع من الاستعانة ـ في الحقيقة ـ لا ينفك في الواقع عن الاستعانة بالله ذاته ، لأنّه ينطوي على الاعتراف بأنّه هو الذي منح تلك العوامل ، ذلك الأثر ، وأذن لها ، وإن شاء سلبها وجرّدها منه.

فإذا استعان الزارع بعوامل طبيعية كالشمس والماء وحرث الأرض ، فقد استعان بالله ـ في الحقيقة ـ لأنّه تعالى هو الّذي منح هذه العوامل : القدرة على إنماء ما أودع في بطن الأرض من بذر ومن ثمّ إنباته والوصول به إلى حدّ الكمال.

٢ ـ أن يستعين بإنسان حيّ او ميّت أو عامل طبيعي مع الاعتقاد بأنّه مستقلّ في وجوده ، أو في فعله عن الله ، فلا شكّ أنّ ذلك الاعتقاد شرك والاستعانة به عبادة.

٨٦

فإذا استعان زارع بالعوامل المذكورة وهو يعتقد بأنّها مستقلّة في تأثيرها أو أنّها مستقلّة في وجودها ومادتها كما في فعلها وقدرتها ، فالاعتقاد شرك والطلب عبادة للمستعان به.

وبذلك يظهر أنّ الاستعانة المنحصرة في الله المنصوص عليها في قوله تعالى : (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) هي الاستعانة بالمعونة المستقلّة النابعة من ذات المستعان به ، غير المتوقّفة على شيء ، فهذا هو المنحصر في الله تعالى ، وأمّا الاستعانة بالإنسان الذي لا يقوم بشيء إلّا بحول الله وقوّته وإذنه ومشيئته ، فهي غير منحصرة بالله سبحانه ، بل إنّ الحياة قائمة على هذا الأساس ، فإنّ الحياة البشرية مليئة بالاستعانة بالأسباب التي تؤثّر وتعمل بإذن الله تعالى.

وعلى ذلك لا مانع من حصر الاستعانة في الله سبحانه بمعنى ، وتجويز الاستعانة بغيره بمعنى آخر وكم له نظير في الكتاب العزيز.

ولإيقاف القارئ على هذه الحقيقة نلفت نظره إلى آيات تحصر جملة من الأفعال الكونية في الله تارة ، مع أنّها تنسب نفس الأفعال في آيات أُخرى إلى غير الله أيضاً ، وما هذا إلّا لعدم التنافي بين النسبتين لاختلاف نوعيّتهما فهي محصورة في الله سبحانه مع قيد الاستقلال ، وتنسب إلى غير الله مع قيد التبعية والعرضية.

الآيات التي تنسب الظواهر الكونية إلى الله وإلى غيره :

١ ـ يقول سبحانه : (وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء / ٨٠). بينما يقول سبحانه فيه (أي في العسل) : (شِفاءٌ لِلنَّاسِ) (النحل / ٦٩).

٢ ـ يقول سبحانه : (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ) (الذاريات / ٥٨) بينما يقول تعالى : (وَارْزُقُوهُمْ فِيها) (النساء / ٥).

٣ ـ يقول سبحانه : (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة / ٦٤). بينما

٨٧

يقول سبحانه : (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (الفتح / ٢٩).

٤ ـ يقول تعالى : (وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ) (النساء / ٨١). بينما يقول سبحانه : (بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف / ٨٠).

٥ ـ يقول تعالى : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) (يونس / ٣). بينما يقول سبحانه : (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً) (النازعات / ٥).

٦ ـ يقول سبحانه : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) (الزمر / ٤٢). بينما يقول تعالى : (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ) (النحل / ٣٢).

إلى غير ذلك من الآيات التي تنسب الظواهر الكونية تارة إلى الله تعالى ، وأخرى إلى غيره.

والحل أن يقال : إنّ المحصور بالله تعالى هو انتساب هذه الأُمور على نحو الاستقلال ، وأمّا المنسوب إلى غيره فهو على نحو التبعية ، وبإذنه تعالى ، ولا تعارض بين النسبتين ولا بين الاعتقاد بكليهما.

فمن اعتقد بأنّ هذه الظواهر الكونية مستندة إلى غير الله على وجه التبعية لا الاستقلال لم يكن مخطئاً ولا مشركاً ، وكذا من استعان بالنبيّ أو الإمام على هذا الوجه.

هذا مضافاً إلى أنّه تعالى الّذي يعلّمنا أن نستعين به فنقول : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ويحثُّنا في آية أُخرى على الاستعانة بالصبر والصلاة فيقول : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (البقرة / ٤٥) وليس الصبر والصلاة إلّا فعل الإنسان نفسه.

حصيلة البحث :

إنّ الآيات الواردة حول الاستعانة على صنفين :

٨٨

الصنف الأوّل : يحصر الاستعانة في الله فقط ويعتبره الناصر والمعين الوحيد دون سواه.

والصنف الثاني : يدعونا إلى سلسلة من الأُمور المعيّنة (غير الله) ويعتبرها ناصرة ومعينة ، إلى جانب الله.

أقول : اتّضح من البيان السابق وجه الجمع بين هذين النوعين من الآيات ، وتبيّن أنّه لا تعارض بين الصنفين مطلقاً ، إلّا أنّ فريقاً نجدهم يتمسّكون بالصنف الأوّل من الآيات فيخطِّئون أيّ نوع من الاستعانة بغير الله ، ثمّ يضطرّون إلى إخراج (الاستعانة بالقدرة الإنسانية والأسباب المادية) من عموم تلك الآيات الحاصرة للاستعانة بالله بنحو التخصيص ، بمعنى أنّهم يقولون :

إنّ الاستعانة لا تجوز إلّا بالله في الموارد التي أذن الله بها ، وأجاز أن يستعان فيها بغيره ، فتكون الاستعانة بالقدرة الإنسانية والعوامل الطبيعية ـ مع أنّها استعانة بغير الله ـ جائزة ومشروعة على وجه التخصيص. ولكن هذا ممّا لا يرتضيه الموحّد.

في حين أنّ هدف الآيات هو غير هذا تماماً ، فإنّ مجموع الآيات يدعو إلى أمر واحد وهو : عدم جواز الاستعانة بغير الله مطلقاً ، وأنّ الاستعانة بالعوامل الأُخرى يجب أن تكون بنحو لا يتنافى مع حصر الاستعانة في الله بل تكون بحيث تعدّ استعانة بالله لا استعانة بغيره.

وبتعبير آخر : إنّ الآيات تريد أن تقول بأنّ المعين والناصر الوحيد والذي يستمدّ منه كلّ معين وناصر ، قدرته وتأثيره ، ليس إلّا الله سبحانه ، ولكنّه ـ مع ذلك ـ أقام هذا الكون على سلسلة من الأسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمر باستمداد الفرع من الأصل ، ولذلك تكون الاستعانة به كالاستعانة بالله ، ذلك لأنّ الاستعانة بالفرع استعانة بالأصل.

وإليك فيما يلي إشارة إلى بعض الآيات من الصنفين :

٨٩

(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران / ١٢٦).

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الحمد / ٥).

(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال / ١٠).

هذه الآيات نماذج من الصنف الأوّل وإليك فيما يأتي نماذج من النصف الآخر الذي يدعونا إلى الاستعانة بغير الله من العوامل والأسباب.

(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (البقرة / ٤٥).

(وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) (المائدة / ٢).

(ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) (الكهف / ٩٥).

(وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال / ٧٢).

ومفتاح حلّ التعارض بين هذين الصنفين من الآيات هو ما ذكرناه وملخّصه :

إنّ في الكون مؤثراً تامّاً ، ومستقلاً واحداً ، غير معتمد على غيره لا في وجوده ولا في فعله وهو الله سبحانه :

وأمّا العوامل الأُخر فجميعها مفتقرة ـ في وجودها وفعلها ـ إليه وهي تؤدي ما تؤدي بإذنه ومشيئته وقدرته ، ولو لم يعط سبحانه تلك العوامل ما أعطاها من القدرة ولم تجر مشيئته على الاستعانة بها لما ، كانت لها أيّة قدرة على شيء.

فالمعين الحقيقي في كلّ المراحل ـ على هذا النحو تماماً ـ هو الله فلا يمكن الاستعانة بأحد باعتباره معيناً مستقلاً. ولهذه الجهة حصر هنا الاستعانة في الله وحده ، ولكن هذا لا يمنع بتاتاً من الاستعانة بغير الله باعتباره غير مستقلّ (أي باعتباره معيناً بالاعتماد على القدرة الإلهية) ومعلوم أنّ استعانة ـ كهذه ـ لا تنافي حصر الاستعانة في الله سبحانه لسببين :

٩٠

أوّلاً : لأنّ الاستعانة المخصوصة بالله هي غير الاستعانة بالعوامل الأُخرى ، فالاستعانة المخصوصة بالله هي : (ما تكون باعتقاد أنّه قادر على إعانتنا بالذات ، وبدون الاعتماد على غيره ، في حين أنّ الاستعانة بغير الله سبحانه على نحو آخر ، أي مع الاعتقاد بأنّ المستعان قادر على الإعانة مستنداً على القدرة الإلهية ، لا بالذات ، وبنحو الاستقلال ، فإذا كانت الاستعانة ـ على النحو الأوّل ـ خاصّة بالله تعالى فإنّ ذلك لا يدل على أنّ الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضاً.

ثانياً : إنّ استعانة ـ كهذه ـ غير منفكّة عن الاستعانة بالله بل هي عين الاستعانة به تعالى ، وليس في نظر الموحّد (الذي يرى أنّ الكون كلّه مستند إليه والكلّ قائم به) مناص من هذا.

وأخيراً نذكّر القارئ الكريم بأنّ مؤلّف المنار حيث إنّه لم يتصوّر للاستعانة بالأرواح إلّا صورة واحدة لذلك اعتبرها ملازمة للشرك فقال :

«ومن هنا تعلمون : إنّ الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أُمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم ، وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح هم عن صراط التوحيد ناكبون ، وعن ذكر الله معرضون». (١)

يلاحظ عليه : بأنّ الاستعانة بغير الله (كالاستعانة بالعوامل الطبيعية) على صورتين :

إحداهما عين التوحيد ، والأُخرى موجبة للشرك ، إحداهما مذكّرة بالله ، والأُخرى مبعدة عن الله.

إنّ حدّ التوحيد والشرك ليس هو كون الأسباب ظاهرية أو غير ظاهرية وإنّما هو استقلال المعين وعدم استقلاله ، وبعبارة أُخرى المقياس ، هو الغنى

__________________

(١) المنار ١ : ٥٩.

٩١

والفقر ، والأصالة وعدم الأصالة.

إنّ الاستعانة بالعوامل غير المستقلّة المستندة إلى الله ، التي لا تعمل ولا تؤثر إلّا بإذنه تعالى غير موجبة للغفلة عن الله ، بل هي خير موجّه إلى الله ، ومذكّر به ، إذ معناها : انقطاع كلّ الأسباب وانتهاء كلّ العلل إليه.

ومع هذا كيف يقول صاحب المنار : «أُولئك عن ذكر الله معرضون» ولو كان هذا النوع من الاستعانة موجباً لنسيان الله والغفلة عنه للزم أن تكون الاستعانة بالأسباب المادية الطبيعية هي أيضاً موجبة للغفلة عنه.

على أنّ الأعجب من ذلك رأي شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت الذي نقل ـ في هذا المجال ـ نصّ كلمات عبده دون زيادة ونقصان ، وختم المسألة بذلك ، وأخذ بالحصر في (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) غافلاً عن حقيقة الآية وعن الآيات الأُخرى المتعرّضة لمسألة الاستعانة. (١)

إجابة على سؤال

إذا كانت الاستعانة بالغير على النحو الذي بيّناه جائزة فهي تستلزم نداء أولياء الله والاستغاثة بهم في الشدائد والمكاره ، وهي غير جائزة وذلك لأنّ نداء غير الله في المصائب والحوائج تشريك الغير مع الله ، يقول سبحانه : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً) (الجن / ١٨) ويقول تعالى : (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) (الأعراف / ١٩٧) ويقول عزّ من قائل : (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) (فاطر / ١٣). إلى غير ذلك من الآيات التي تخص الدعاء بالله ولا تسيغ دعوة غيره.

__________________

(١) راجع تفسير شلتوت : ٣٦ ـ ٣٩.

٩٢

وقد طرح هذا السؤال الشيخ الصنعاني حيث قال : وقد سمّى الله الدعاء عبادة بقوله : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي) (غافر / ٦٠) فمن هتف باسم نبيّ أو صالح بشيء فقد دعا النبي والصالح ، والدعاء عبادة بل مخّها فقد عبد غير الله وصار مشركاً. (١)

الجواب :

إنّ النقطة الحاسمة في الموضوع تكمن في تفسير الدعاء وهل أنّ كلّ دعاء عبادة والنسبة بينهما هي التساوي؟ حتى يصح لنا أن نقول كلّ دعاء عبادة ، وكلّ عبادة دعاء ، أو أنّ الدعاء أعمّ من العبادة وأنّ قسماً من الدعاء عبادة وقسماً منه ليس كذلك؟ والكتاب العزيز يوافق الثاني لا الأوّل ، وإليك التوضيح :

لقد استعمل القرآن لفظ الدعاء في مواضع عديدة ولا يصحّ وضع لفظ العبادة مكانه ، يقول سبحانه حاكياً عن نوح : (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً) (نوح / ٥) وقال سبحانه حاكياً عن لسان إبليس في خطابه للمذنبين يوم القيامة : (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) (إبراهيم / ٢٢) إلى غيرهما من الآيات التي ورد فيها لفظ الدعاء ، أفيصح القول بأنّ نوحاً دعا قومه أي عبدهم ، أو أنّ الشيطان دعا المذنبين أي عبدهم؟ كلّ ذلك يحفزنا إلى أن نقف في تفسير الدعاء وقفة تمعّن حتى نميّز الدعاء الذي هو عبادة عمّا ليس كذلك.

والإمعان فيما تقدّم في تفسير العبادة يميِّز بين القسمين فلو كان الداعي والمستعين بالغير معتقداً بأُلوهية المستعان ولو أُلوهية صغيرة كان دعاؤه عبادة ولأجل ذلك كان دعاء عبدة الأصنام عبادة لاعتقادهم بأُلوهيتها ، قال سبحانه : (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ)

__________________

(١) الصنعاني ، تنزيه الاعتقاد كما في كشف الارتياب : ٢٨٤.

٩٣

(هود / ١٠١).

وما ورد من الآيات في السؤال كلّها من هذا القبيل فانّها وردت في حقّ المشركين القائلين بأُلوهية أصنامهم وأوثانهم باعتقاد استقلالهم في التصرف والشفاعة وتفويض الأُمور إليهم ولو في بعض الشئون. ففي هذا المجال يعود كلّ دعاء عبادة ، ويفسر الدعاء في الآيات الماضية والتالية بالعبادة ، قال تعالى :

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) (الأعراف / ١٩٤). (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً* أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) (الإسراء / ٥٦ ـ ٥٧). (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) (يونس / ١٠٦). (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ) (فاطر / ١٤). وما ورد في الأثر من أنّ الدعاء مُخّ العبادة ، أُريد منه دعاء الله أو دعاء الآلهة لا مطلق الدعاء وإن كان المدعوّ غير إله لا حقيقة أو اعتقاداً.

وفي روايات أئمّة أهل البيت إلماع إلى ذلك ، يقول الإمام زين العابدين في ضمن دعائه : «... فسمّيت دعاءك عبادة وتركه استكباراً وتوعّدت على تركه دخول جهنّم داخرين» (١) وهو يشير في كلامه هذا إلى قوله سبحانه : (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) (غافر ٦٠)

هذا هو الدعاء المساوي للعبادة وهناك قسم آخر منه لا صلة بينه وبين العبادة وهو فيما إذا دعا شخصاً بما أنّه إنسان وعبد من عباد الله غير أنّه قادر على إنجاز طلبه بإقدار منه تعالى وإذن منه ، فليس مثل هذه الدعوة عبادة بل سنّة من السنن الإلهية في الكون ، هذا هو ذو القرنين يواجه قوماً مضطهدين يطلبون منه أن

__________________

(١) الصحيفة السجادية ، دعاؤه برقم ٤٥.

٩٤

يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً فعند ذلك يخاطبهم ذو القرنين بقوله : (ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) (الكهف / ٩٥) وها هو الذي كان من شيعة موسى يستغيث به ، يقول سبحانه : (فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (القصص / ١٥) وهذا هو النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعو قومه للذبّ عن الإسلام في غزوة أُحد وقد تولّوا عنه ، قال سبحانه : (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ) (آل عمران / ١٥٣) فهذا النوع من الدعاء قامت عليه الحياة البشرية ، فليس هو عبادة وإنّما هو توسل بالأسباب ، فإن كان السبب قادراً على إنجاز المطلوب كان الدعاء أمراً عقلائياً وإلّا يكون لغواً وعبثاً.

ثمّ إنّ القائلين بأنّ دعاء الصالحين عبادة ، عند مواجهتهم لهذا القسم من الآيات وما تقتضيه الحياة الاجتماعية ، يتشبثون بكلّ طحلب حتى ينجيهم من الغرق ويقولون إنّ هذه الآيات تعود إلى الأحياء ولا صلة لها بدعاء الأموات ، فكون القسم الأوّل جائزاً وأنّه غير عبادة ؛ لا يلازم جواز القسم الثاني وكونه غير عبادة.

ولكن عزب عن هؤلاء إنّ الحياة والموت ليسا حدين للتوحيد والشرك ولا ملاكين لهما ، بل هما حدّان لكون الدعاء مفيداً أو لا ، وبتعبير آخر ملاكان للجدوائية وعدمها.

فلو كان الصالح المدعو غير قادر لأجل موته مثلاً تكون الدعوة أمراً غير مفيد لا عبادة له ، ومن الغريب أن يكون طلب شيء من الحيّ نفس التوحيد ومن الميت نفس الشرك.

كلّ ذلك يوقفنا على أنّ القوم لم يدرسوا ملاكات التوحيد والشرك بل لم يدرسوا الآيات الواردة في النهي عن دعاء غيره ، فأخذوا بحرفية الآيات من دون تدبّر مع أنّه سبحانه يقول : (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا

٩٥

الْأَلْبابِ) (ص ٢٩).

ثمّ إنّ الكلام في أنّ دعاء الصالحين بعد انتقالهم إلى رحمة الله مفيد أو لا ، يتطلب مجالاً آخراً وسوف نستوفي الكلام عنه في رسالة خاصة حول وجود الصلة بين الحياتين : المادّية والبرزخيّة بإذن منه سبحانه.

جعفر السبحاني

تحريراً في ٢٧ صفر المظفر ١٤١٦ ه

٩٦

فهرست الموضوعات

العنوان

الصفحة

مقدمة الكتاب................................................................... ٥

* * *

الفصل الأول: الإله في اللغة والقرآن

الإلة في اللغة.................................................................... ٧

هل الإلة بمعني المعبود فى اللغة...................................................... ٨

لفظ الجلالة (الله) والإله بمعنى واحد غير أنّ الأول علم دون الثاني...................... ٩

ما يدلّ من الآيات علي وحدة مفهومهما بالمعنى المذكور.............................. ١٠

دراسة مفهوم الإله في القرآن الصفحة :............................................ ١٢

النتيجة: لافرق بين اللفظين إلاّ في الجزئية والكلية................................... ١٤

* * *

الفصل الثانى: الربُّ فى اللغة والكتاب

الرب في اللغة والذكر الحكيم الصفحة :........................................... ١٥

المعانى الخمسة ترجع إلى معنى واحد:.............................................. ١٦

التوحيد في الربوبية غير التوحيد في الخالقية الصفحة :................................ ١٨

استظهار الفرق بينهما من الآيات الكريمة.......................................... ١٩

ايجاد الكون هو الخالقية وادارة بعد الأيجاد، هو الربوبية............................... ٢٣

٩٧

الحورا الداثر بين النبى إبراهيم ونمرود يبيّن الفرق بينهما............................... ٢٤

خاتمة المطالف: فى التبين مراتب التوحيد السبعة................................... ٢٦

١ ـ لتوحيد فى الذات: انهّ واحد لانظيرله، له بسيط لاجزءله.......................... ٢٦

٢ ـ التوحيىد في الخالقية: انّه ليس في صفحة الوجود خالق الاّ الله...................... ٢٩

٣ ـ التوحبد في الربوبية: انهّ لا مدبّر ولامتصرف في الكون إلا الله...................... ٢٨

٤ ـ التوحيد فى التشريع: انهّ لامشرَّع ولا مقنَّن للإنسان إلا الله........................ ٢٩

٥ ـ التوحيد في الطاعة: انهّ لا مُطاع بالذات إلاّ الله سبحانه ولو وجبت اطاعة الغير فإنّما تجب بأمرة   ٣٠

٦ ـ التوحيد في الحاكمية: لاحُكم ولا ولاية لأحد على أحد إلاّ الله ولوكانت هناك ولاية للنبي والإمام فإنّما هى يجعل منه سبحانه  ٣١

٧ ـ التوحيد في العبادة: لامعبود إلاّ الله (إيّاك نعبد)

* * *

الفصل الثالث: في تحديد مفهوم العبادة

العبادة في المعاجم والتفاسير...................................................... ٣٣

تفسير العبادة في المصدرين بالخضوع والتذلل........................................ ٣٥

تفاسير أربعة لمفهوم العبادة....................................................... ٣٧

ليست العبادة بمعنى الخضوع أو نهاية.............................................. ٣٨

لو كانت العبادة مجرّد الخضوع لما وجد على أديم الأرض موحّد........................ ٣٩

نظرية الشيخ شلتوت وابن تيمية في تحديد العبادة وبيان وهنهما....................... ٤٢

التعريف الصحيح للعبادة........................................................ ٤٣

العبادة هي الخضوع للشيء بما أنّه إله أو ربّ....................................... ٤٤

قضاء التاريخ في عقيدة المشركين واتخاذهم الأصنام اّلهة وأرباباّ......................... ٤٥

٩٨

كلام ابن هشام والكبي في عقيدتهم في معبوداتهم.................................... ٤٦

كلام الالوسي في عقيدة عبدة الشمس............................................ ٤٧

قضاء الكتاب في عقيدة المشركين................................................. ٤٨

حورا النبي إبراهيم مع قومه يكشف عن كون الإجرام السماوية عندهم أرباباَّ............ ٤٩

معنى كون الإخبار والرهبان أرباباً عند اليهود والنصارى............................... ٥٠

التعريف المنطقي لمفهوم العبادة.................................................... ٥٢

العبادة نتقوم بعنصرين أحدهما قلبى، والاّخر خارجى................................. ٥٢

استظهار وجود العنصرين من تحليل عبادة المشركين والموحدين.......................... ٥٣

استظهار شرطيتهما من الاّيات الداعية إلي عبادة الله والناهية عن عبادة غيرها........... ٥٥

تعليل الأمر بالعبادة بأن الله ربّنا والهنا.............................................. ٥٦

التعاريف الثلاثة ترجع إلى حقيقة واحد............................................ ٥٨

ثمرات البحث................................................................ ٥٩

التوسل بالأنبياء والأولياء بما هم عباد صالحون لا الهة ولا أرباب ليس بشرك............. ٦٢

المتوسل والمستِشفع والمجلَّل والمستعين إنّما يقوم بهذة الأعمال باعتقادة انّ الطرف المقابل عباد مكرمون تستجاب دعوتهم إذا دَعوا   ٦٢

اسئله وأجوبة

السؤال الأول: هل هناك من يفسر العبادة على غرار ماذكرنا؟........................ ٦٣

كلام الشيخ جعفر كاشف الغطاء في تفسير العبادة................................. ٦٤

٩٩

العلامة البلاغي في اّلاء الرحمان يفسر العبادة مثل ما ذكرناه.......................... ٦٦

كلام العلامة القضاعي العزامي الشافعى في تفسير العبادة قد أعرق نزعاً في التحقيق فلم يبق في القوس منزِعاً  ٦٧

كلام المحقّق السيد الخوئي قدس سره في معنى العبادة................................. ٧٧

السؤال الثانى: ماهو المراد من العبادة في هذه الاّيات؟................................ ٧٢

السؤال الثالث: ما هو حكم إطاعة غير الله والخضوع له؟............................ ٧٤

الخضوع للغير علي أقسام........................................................ ٧٥

السؤال الرابع: دواعى العبادة..................................................... ٧٧

خاتمة المطاف: الفوضى في التطبيق بين إمام الخنابلة والمقتدين به....................... ٧٩

الإمام يجوز تقبيل منبر النبي وقبره والمقتدى يمنعه..................................... ٧٩

فاطمة الزهراء عليها السلام وبلال موذن النبي كانا يقبلان قبر النبي صلي الله عليه وآله وسلم ٨١

فتوى علماء افريقية والأندلس والمغرب في المقام...................................... ٨٣

تصوّر خاطئ للكتاب أبي الأعلى المودودي......................................... ٨٤

معنى حصر الاستعانة في الله

الاستعانه على قسمين قسم مختص به وقسم غير مختص به، والأخير في الحقيقة أيضاً استعانة بالله سبحانه     ٨٦

الآيات التي تنسب الظواهر الكونية إلى الله وإلى غيره في وقت واحد................... ٨٨

حصيله البحث في حصر الاستعانه بالله........................................... ٨٩

تفسير قوله سبحانه (وانّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً).................... ٩٣

حياة المستعان وموته، غير مؤثرين في كون الاستعانة موافقاً للتوحيد أو شركاً............. ٩٥

فهرس المواضيع................................................................. ٩٧

١٠٠