🚘

إعراب القرآن الكريم وبيانه - ج ٣

محيي الدين الدرويش

إعراب القرآن الكريم وبيانه - ج ٣

المؤلف:

محيي الدين الدرويش


الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٧٦
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

(وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤))

الاعراب :

(وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) الواو استئنافية ، ويجوز أن تكون عاطفة ، فتكون الجملة معطوفة على قوله : «لا يستكبرون» ، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط ، وجملة سمعوا في محل جر بإضافة الظرف إليها ، والواو فاعل ، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به ، وجملة أنزل لا محل لها لأنها صلة الموصول ، والى الرسول متعلقان بأنزل (تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) الجملة لا محلّ لها لأنها جواب شرط غير جازم ، وترى فعل مضارع ، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت ، وأعينهم مفعول ترى البصرية ، وجملة تفيض حالية ، ومن الدمع جار ومجرور في محل نصب على التمييز ، وسيأتي المزيد من بيان هذا الاعراب في باب البلاغة (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) الجار والمجرور متعلقان بتفيض ، وجملة عرفوا صلة الموصول ، ومن الحق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (يَقُولُونَ : رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) جملة يقولون في محل نصب حال من الضمير في «عرفوا» وهو الواو ، أو من الضمير المجرور في «أعينهم» ، وجاز مجيء الحال من المضاف اليه لأن المضاف جزؤه ، ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة

٥

لجواب سؤال مقدر ، كأنه قيل : فما حالهم عند سماع القرآن؟ وربنا منادى مضاف ، وآمنا فعل وفاعل ، والجملة في محل نصب مقول القول ، فاكتبنا الفاء استئنافية واكتبنا فعل أمر ومفعول به ، والفاعل مستتر ، ومع الشاهدين ظرف متعلق باكتبنا (وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ) الواو استئنافية ، وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ ، ولنا متعلقان بمحذوف خبر ، وجملة لا نؤمن بالله في محل نصب على الحال ، وبالله متعلقان بنؤمن ، وما عطف على الله ، وجملة جاءنا لا محل لها لأنها صلة ، ومن الحق متعلقان بمحذوف حال (وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) الواو عاطفة ونطمع فعل مضارع ، وفاعله نحن ، وأن وما بعدها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض ، والجار والمجرور متعلقان بنطمع ، وربنا فاعل ، ومع القوم الصالحين الظرف متعلق بيدخلنا ، والجملة كلها معطوفة على جملة نؤمن ، ويجوز أن تكون الواو حالية والجملة نصب على الحال.

البلاغة :

١ ـ المجاز في فيض الأعين ، والعلاقة هي الامتلاء.

٢ ـ المبالغة في التمييز ، وهي من أبلغ التراكيب ، لأن الترقية فيه تترقى ثلاث مراتب ، فالأولى فاض دمع عينه ، والثانية في تحويل الفاعل تمييزا ، والثالثة في إبراز التمييز في صورة التعليل ، فأفاد الى جانب التمييز التعليل ، وإنما كان الكلام مع التعليل أبعد عن الأصل منه مع التمييز ، لأن التمييز في مثله قد استقرّ كونه فاعلا في الأصل ، في مثل : طاب محمد نفسا ، واشتعل الرأس شيبا ، فإذا قلت : فاضت

٦

عينه دمعا ، فهم هذا الأصل مع العادة في أمثاله ، وأما التعليل فلم يعهد فيه ذلك.

(فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦))

الاعراب :

(فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) الفاء عاطفة ، وأثابهم فعل ومفعول به مقدم ، والله فاعل ، والجملة معطوفة على جملة قالوا آمنا ، وبما متعلقان بأثابهم ، وجملة قالوا صلة ، ونسق الثواب على قولهم : «آمنا» ، لأن القول إذا اقترن بالعمل المخلص فهو الايمان. وجنات مفعول به ثان لأثابهم ، لأنها تضمنت معنى الإعطاء ، وجملة تجري صفة لجنات ، ومن تحتها متعلقان بتجري ، والأنهار فاعل تجري (خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) خالدين حال من الضمير في : «أثابهم» ، وفيها متعلقان بخالدين ، والواو حالية أو استئنافية ، وذلك مبتدأ ، وجزاء المحسنين خبره ، والجملة نصب على الحال أو مستأنفة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) الواو استئنافية ، والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة ، وكذبوا عطف على كفروا ، ونسق التكذيب على الكفر لأن الكذب ضرب منه ، وبآياتنا متعلقان بكذبوا (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) اسم الاشارة مبتدأ ، وأصحاب الجحيم خبر اسم الإشارة ، والجملة خبر الذين.

٧

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨))

الاعراب :

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) كلام مستأنف مسوق لخطاب بعض المؤمنين الذين اتفقوا على التقشّف والترهب ، ولبس الصوف والصدوف عن اللذائذ المباحة ، ونهيهم عن ذلك.

ولا ناهية ، وتحرموا فعل مضارع مجزوم بلا ، والواو فاعل ، وطيبات مفعول به ، وما اسم موصول في محل جر بالاضافة ، وجملة أحل صلة ، والله فاعل ، ولكم متعلقان بأحل (وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) الواو حرف عطف ، ولا ناهية ، وتعتدوا فعل مضارع مجزوم بلا ، والجملة عطف على جملة لا تحرموا ، ومعنى الاعتداء هنا تجاوز الحلال الى الحرام ، وإن واسمها ، وجملة لا يحب المعتدين خبرها ، وجملة إن الله إلخ تعليلية لا محل لها (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً) الواو عاطفة ، وكلوا فعل أمر مبني على حذف النون ، ومما متعلقان بكلوا ، وجملة رزقكم الله صلة الموصول ، وحلالا مفعول به ، أو حال من الموصول ، أو من عائده المحذوف ، أو مفعول مطلق ، فهو صفة لمصدر محذوف ، أي : أكلا حلالا ، والأول أسهل (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) الواو عاطفة ، واتقوا فعل أمر ، معطوف على كلوا ، والله مفعوله ، والذي صفة لله ، وأنتم مبتدأ ،

٨

وبه متعلقان بـ «مؤمنون» ، والجملة الاسمية لا محل لها لأنها صلة الموصول.

(لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩))

اللغة :

(اللغو) من اليمين : الساقط الذي لا يتعلق به حكم ، وحوله خلاف فقهي فعند الشافعي ما يبدو من المرء من غير قصد ، كقوله : لا والله وبلى والله ، وعند أبي حنيفة أن يحلف على الشيء يرى أنه كذلك ، وليس كما ظن.

(عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) قرئ بالتشديد والتخفيف ، كما قرئ أيضا :«عاقدتم». وتعقيد الأيمان توثيقها بالقصد والنية. وقد نظم الفرزدق هذا المعنى ، فقد روي أن الحسن سئل عن لغو اليمين ، وكان عنده الفرزدق ، فقال : دعني أجب عنك يا أبا سعيد ، وأنشد :

ولست بمأخوذ بلغو تقوله

إذا لم تعمّد عاقدات العزائم

٩

أي : لست مؤاخذا باللغو الساقط من الكلام. وتعمد أصله : تتعمد ، حذفت منه إحدى التاءين ، وعاقدات العزائم : أي العزائم الجازمات ، ونسبة الجزاء إليها مجاز عقلي.

(فَكَفَّارَتُهُ) الكفّارة : الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة ، أي تسترها.

الاعراب :

(لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) كلام مستأنف لتقرير حكم اللغو في الأيمان ، ولا نافية ، ويؤاخذكم الله فعل مضارع ومفعول به وفاعل ، وباللغو متعلقان بيؤاخذكم ، وفي أيمانكم متعلقان بمحذوف حال (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) الواو عاطفة ، ولكن مهملة ، وبما الباء حرف جر ، وما مصدرية مؤولة مع عقدتم بمصدر مجرور بالباء ، والجار والمجرور متعلقان بيؤاخذكم ، والأيمان مفعول به (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) الفاء الفصيحة ، أي : إذا خنثتم فيما عقدتم الأيمان ، فهي جواب شرط مقدر. وكفارته مبتدأ ، والضمير يعود على الحنث المفهوم من الشرط المقدر كما تقدم ، وارتأى الزمخشري أن يعود على ما الموصولية ، ولا بد من تقدير مضاف ، أي : كفارة حنثه. وهناك أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا لبعدها. وإطعام خبر ، وعشرة مساكين مضاف اليه ، ومن أوسط متعلقان بمحذوف صفة لعشرة مساكين ، وما اسم موصول مضاف إليه ، وجملة تطعمون صلة ، والعائد محذوف ، أي : تطعمونه ، أي : لا هو بالعالي ، ولا الدون وأهليكم مفعول تطعمون.

(أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) عطف على طعام ، وكذلك تحرير رقبة (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) الفاء استئنافية ، ومن اسم شرط

١٠

جازم مبتدأ ، ولم حرف نفي وقلب وجزم ، ويجد فعل مضارع مجزوم بلم ، وهو فعل الشرط ، والفاء رابطة لجوابه ، وصيام مبتدأ خبره محذوف ، أي : فعليه صيام ، أو كفارته ، وثلاثة أيام مضاف إليه (ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ) الجملة تفسيرية ، واسم الاشارة مبتدأ ، وكفارة خبر ، وأيمانكم مضاف إليه ، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب المحذوف والذي دل عليه ما قبله ، وجملة حلفتم في محل جر بالإضافة (وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الواو عاطفة ، واحفظوا فعل أمر وفاعل ، وأيمانكم مفعول به ، وكذلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول مطلق أو حال ، ويبين الله فعل مضارع وفاعل ، ولكم متعلقان بيبين ، وآياته مفعول به ، ولعلكم لعل واسمها ، وجملة تشكرون خبرها وجملة الرجاء حالية.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١))

الاعراب :

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ

١١

رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) كلام مستأنف لبيان أن الخمر والميسر لا ينتظمان في الطيبات التي أحلّها الله. وإنما كافة ومكفوفة ، والخمر مبتدأ ، والميسر والأنصاب والأزلام عطف عليها ، ورجس خبر ، ومن عمل الشيطان متعلقان بمحذوف صفة لرجس ، أو هو خبر ثان للخمر (فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الفاء الفصيحة ، واجتنبوه فعل أمر وفاعل ومفعول به ، ولعل واسمها ، وجملة تفلحون خبرها ، وجملة الرجاء حالية (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) كلام مستأنف لزيادة التوضيح للأسباب المؤدية الى تحريمهما.

وإنما كافة ومكفوفة ، ويريد الشيطان فعل مضارع وفاعل ، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول ليريد ، وبينكم ظرف متعلق بيوقع أو بمحذوف حال ، والعداوة مفعول به ، والبغضاء عطف على العداوة ، وفي الخمر متعلقان بمحذوف حال ، والميسر معطوف على الخمر.

(وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) الواو حرف عطف ، ويصدكم عطف على يوقع ، وعن ذكر الله متعلقان بيصدكم ، وعن الصلاة متعلقان أيضا بيصدكم ، والفاء استئنافية ، وهل حرف استفهام معناه الأمر ، وأنتم مبتدأ ، ومنتهون خبر.

(وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣))

١٢

الاعراب :

(وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) الواو عاطفة ، والكلام معطوف على الاستفهام في الآية المتقدمة ، لأن الاستفهام بمعنى الأمر كما تقدم. والمعنى انتهوا وأطيعوا. ولك أن تجعلها استئنافية ، وأطيعوا الله فعل وفاعل ومفعول به ، وأطيعوا الرسول عطف على أطيعوا الله ، واحذروا عطف أيضا (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) الفاء استئنافية ، وإن شرطية ، وتوليتم فعل ماض وفاعل ، وهو في محل جزم فعل الشرط ، والفاء رابطة لجواب الشرط ، والجواب محذوف تقديره : فجزاؤكم علينا ، وجملة فاعلموا عطف على الجواب ، وأنما كافة ومكفوفة ، وهي مع مدخولها سدت مسد مفعولي اعلموا ، وعلى رسولنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ، والبلاغ مبتدأ مؤخر ، والمبين صفة (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على تساؤل بعض الصحابة الذين قالوا : يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم بشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ فنزلت : ليس ... وليس فعل ماض ناقص ، وعلى الذين متعلقان بمحذوف خبر ليس المقدم ، وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الموصول ، وجملة وعملوا الصالحات عطف على الصلة ، وجناح اسم ليس المؤخر ، وفيما متعلقان بمحذوف صفة لجناح ، وجملة طعموا لا محل لها لأنها صلة الموصول (إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) إذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط ، وما زائدة ، وجملة اتقوا في محل جر بإضافة الظرف إليها ، والعامل في إذا معنى النفي في ليس ، أي : انتفى الإثم عنهم ، وجواب إذا محذوف دل عليه ما قبله ، أي : فليس عليهم جناح ، وآمنوا عطف

١٣

على اتقوا ، وعملوا الصالحات عطف على ما تقدم أيضا (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) عطف أيضا ، وسيأتي سر التكرير البديع في باب البلاغة (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الواو استئنافية ، والله مبتدأ ، وجملة يحب خبر ، والمحسنين مفعول به.

البلاغة :

تقدم البحث في التكرار أو التكرير ، وهما مصدران لكرّر المضعفة ، وقلنا : إن حده أن يكرر الكاتب أو الشاعر الكلمة أو الكلمتين فصاعدا ، لتأكيد ما يتحدث عنه ، ليزداد رسوخا في الذهن ، أو لغرض آخر. وفي هذه الآية يحتمل أن يكون التكرار إشارة إلى العلاقات التي يرتبط بها الإنسان في حياته ، وهي : علاقة الإنسان بنفسه ، وعلاقة الإنسان بغيره ، وعلاقة الإنسان بربه ، ولذلك عقّب عليها بالإحسان في الكرة الثالثة ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى مراحل العمر الثلاث التي يجتازها الإنسان في رحلته الحياتية ، وهي : مرحلة البدء بالحياة ، ومرحلة الوسط في العمر ، ومرحلة المنتهى. ولعل الاحتمالين مرادان في هذا التكرار البديع ، زيادة في التقوى والتجمّل وإقامة الموازين القسط في جميع مراحل حياته وحالاته الثلاث ، وسيأتي من التكرير في هذا الكتاب ما يسحر الألباب ، واستمع الى قول البحتري متغزّلا :

ويوم تثنّت للوداع وسلّمت

بعينين موصول بلحظهما السحر

توهمتها ألوى بأجفانها الكرى

كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر

١٤

فالكرى هو النوم ، ولكن في تكريره هنا معنى يدرك بالبداهة ، أشبه بأخذة السحر.

واستمع الى قول المساور بن هند :

جزى الله عنّي غالبا من عشيرة

إذا حدثان الدهر نابت نوائبه

فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت

عليّ وموج قد علتني غواربه

فصدر البيت الثاني وعجزه يدلّان على معنى واحد ، لأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من فوقه ، وإنما سوّغ ذلك أنه مقام مدح وإطراء ، ألا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم عند حدثان دهره ، في التكرير! وفي قبالته لوكان القائل هاجيا فإن الهجاء في هذا كالمدح.

ونحب هنا أن نستدرك فنقول ليس كل تكرير حسنا ، فبعضه يكون غثا كقول أبي الطيب المتنبي من قصيدته البديعة التي يقول في مطلعها :

أفاضل الناس أغراض لذا الزمن

يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن

وهذا من أجمل الشعر وأروعه ، على أنه ما لبث أن قال :

العارض الهتن ابن العارض ال

هتن العارض الهتن ابن العارض الهتن

١٥

فهذا ليس من التكرير المستحسن ، لأنه كقولك : الموصوف بكذا ابن الموصوف بكذا وكذا ، أي إنه عريق النسب بهذا الوصف ، فلم يأت بجديد ، ثم اللفظ ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه ، فإن استعمالها في حالة التركيب يذهب بحسنها. ومن طريف التكرير قول المقنع الكندي :

وإنّ الذي بيني وبين بني أبي

وبين بني عمي لمختلف جدا

إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم

وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم

وإن هم هووا غيّي هويت لهم رشدا

وحسبنا ما تقدم الآن.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤))

اللغة :

(لَيَبْلُوَنَّكُمُ) : ليختبرن طاعتكم.

١٦

الاعراب :

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) كلام مستأنف مسوق لاختبارهم بالنسبة لما يفهم العباد ، أما حقيقة الاختبار فمحال في حقه تعالى ، وليبلونكم اللام جواب لقسم محذوف ، أي : والله ليبلونكم ، فيبلون فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة ، والله فاعله ، وبشيء متعلقان بيبلونكم ، ومن الصيد متعلقان بمحذوف صفة لشيء وجملة يبلونكم لا محل لها لأنها جواب القسم المحذوف (تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ) الجملة صفة لشيء ، وأيديكم فاعل تناله ، ورماحكم عطف على أيديكم ، واللام للتعليل ، ويعلم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام ، والله فاعل يعلم ، ومن اسم موصول مفعول يعلم ، وجملة يخافه لا محل لها لأنها صلة الموصول ، وبالغيب جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل يخاف ، أي : يخاف الله حالة كونه غائبا عن الله ، أو من المفعول به ، أي يخاف الله حال كونه متلبسا بالغيب (فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) الفاء استئنافية ، ومن اسم شرط جازم ، واعتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط ، وبعد ذلك الظرف متعلق باعتدى ، واسم الاشارة مضاف اليه ، فله الفاء رابطة للجواب ، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ، وعذاب مبتدأ مؤخر ، وأليم صفة ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر «من».

البلاغة :

في قوله : «بشيء من الصيد» تقليل واحتقار لهذا الابتلاء ،

١٧

كأنه يقول : إن هذا الابتلاء ليس من قبيل الفتن العظام ، والمحن العظام ، التي لا تثبت أمامها القوى ولا الأجسام ، هذا ما ذكره المفسرون الكبار ، وخاصة الزمخشري الذي نقل معظمهم عبارته بنصها تقريبا ، وهي وثبة ذهنية قوية ، ولكنها تضؤل وتشيل في الميزان عند ما نذكر أنه سبحانه استعملها في الفتن العظيمة والمحن الجسيمة ، فقال في موضع آخر : «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين». وهذا اعتراض يطيح بما قاله الزمخشري وتناقله عنه الكثيرون من المفسرين كالخازن والنسفي والبيضاوي وغيرهم. وخير ما يقال في الاجابة عن هذا الاعتراض هو أن جميع المحن والأرزاء والبلاء والفتن ليست بالنسبة الى مقدور الله تعالى سوى جزء يسير خليق به أن يحقّر ويصغر ، وأنه سبحانه جنح الى خطاب المؤمنين بهذه الصيغة تخفيفا لهم ، وباعثا لهم على الصبر ، وحافزا لهم على الاحتمال تلطفا بهم ، وترفقا بما يكابدونه منه فسبحان المتفرد بهذه البلاغة.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥))

١٨

اللغة :

(حُرُمٌ) : جمع حرام. والحرام يستوي فيه المذكر والمؤنث.

تقول : هذا رجل حرام ، وهذه امرأة حرام ، فإذا قيل : محرم قيل للمرأة : محرمة ، والإحرام هو الدخول فيه ، يقال : أحرم القوم إذا دخلوا في الشهر الحرام أو في الحرم. فتأويل الكلام لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة.

(عَدْلٍ) : مثل.

(وَبالَ) الوبال : بفتح الواو : المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه ، قال الراغب : الوابل : المطر الثقيل القطر ، ولمراعاة الثقل قيل للأمر الذي يخاف ضرره : وبال ، قال تعالى :«فذاقوا وبال أمرهم». ويقال : طعام وبيل ، وكلأ وبيل يخاف وباله ، قال تعالى : «فأخذناه أخذا وبيلا». واستوبلت الأرض : كرهتها خوفا من وبالها.

الاعراب :

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان ما تنطوي عليه كلمة الاعتداء في الآية السابقة.

ولا ناهية ، وتقتلوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية ، والواو فاعل ، والصيد مفعول به ، وأنتم الواو حالية ، وأنتم مبتدأ ، وحرم خبره ، والجملة حال من فاعل تقتلوا (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) الواو استئنافية ، ومن اسم شرط جازم في محل

١٩

رفع مبتدأ خبره جملة الشرط والجواب ، وقتله فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به ، وهو في محل جزم فعل الشرط ، ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل قتل ، ومتعمدا حال من فاعل قتل أيضا ، أي : ذاكرا لإحرامه أو عالما أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله ، والتفاصيل في كتب الفقه. فجزاء : الفاء رابطة لجواب الشرط ، وجزاء مبتدأ خبره محذوف ، أي : فعليه جزاء ، ويجوز العكس ، أي : فالواجب عليه جزاء ، والجملة في محل جزم جواب الشرط ، ومثل صفة لجزاء ، وما اسم موصول في محل جر بالاضافة لمثل ، وجملة قتل صلة ، ومن النعم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من مثل (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) جملة يحكم صفة ثانية لجزاء ، وبه متعلقان بيحكم ، وذوا فاعل مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى ، وعدل مضاف اليه ، ومنكم متعلقان بمحذوف صفة لـ «ذوا» ، وهديا حال من جزاء ، أو منصوب على المصدرية ، أي يهديه هديا ، أو منصوب على التمييز ، والأوجه الثلاثة متساوية الرّجحان ، وبالغ الكعبة صفة لـ «هديا» ، لأن الاضافة غير محضة ، وهي لا تقيد تعريفا كما سيأتي في باب الفوائد (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً) أو عاطفة ، وكفارة عطف على جزاء ، وطعام مساكين بدل من كفارة ، وأو حرف عطف ، وعدل عطف على كفارة ، وذلك مضاف اليه ، وصياما تمييز للعدل ، كقولك : لي مثله رجلا (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ) اللام للتعليل ، ويذوق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل ، والجار والمجرور متعلقان بالاستقرار المستكن في الخبر ، أي : عليه الجزاء ليذوق ، ويجوز أن يتعلقا بطعام أو صيام ويجوز أن يتعلقا بـ «جزاء» ، أي :

٢٠