🚘

إعراب القرآن الكريم وبيانه - ج ٨

محيي الدين الدرويش

إعراب القرآن الكريم وبيانه - ج ٨

المؤلف:

محيي الدين الدرويش


الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٧٩
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣))

اللغة :

(ضِعْفَيْنِ) : مثنى ضعف بكسر الضاد ، يقال ضعف الشيء مثله في المقدار أو مثله وزيادة غير محصورة فقولهم لك ضعفه يعني

٥

لك مثلاه أو ثلاثة أمثاله أو أكثر ، وفي المصباح : «ضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه وأضعافه أمثاله وقال الخليل التضعيف أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مثليه وأكثر وكذلك الأضعاف والمضاعفة ، وقال الأزهري : الضعف في كلام العرب المثل هذا هو الأصل ثم استعمل الضعف في المثل وما زاد وليس للزيادة حد يقال هذا ضعف هذا أي مثله وهذان ضعفاه أي مثلاه ، قال وجاز في كلام العرب أن يقال هذا ضعفه أي مثلاه وثلاثة أمثاله لأن الضعف زيادة غير محصورة فلو قال في الوصية أعطوه ضعف نصيب ولدي أعطي مثليه ولو قال ضعفيه أعطي ثلاثة أمثاله. حتى لو حصل للابن مائة أعطي مئتين في الضعف وثلاثمائة في الضعفين وعلى هذا جرى عرف الناس واصطلاحهم والوصية تحمل على العرف لا على دقائق اللغة» هذا وللضعف بفتح الضاد والضعف بكسرها والضعف بضمها معان نظمها بعضهم بقوله :

في الرأي والعقل يكون الضّعف

والوهن في الجسم فذاك الضّعف

زيادة المثل كذا والضّعف

جمع ضعيف وهو شاكي الضر

(كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) أحد ـ كما يقول الزمخشري ـ في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه وردّ عليه آخرون فقالوا : أما قوله أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد فصحيح وأما قوله وما وراءه فليس بصحيح لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول

٦

واحد لأن واحدا يطلق على كل شيء اتصف بالوحدة واحد المستعمل في النفي العام مختص بمن يعقل وأيضا فيفرق بينهما بأن المختص بالنفي جامد وهذا وصف وأيضا المختص بالنفي مختص بالعقلاء وهذا لا يختص وأما معنى النفي فإنه ظاهر على ما قاله الزمخشري على المجموع.

وفي الإتقان : قال أبو حاتم : أحد اسم أكمل من الواحد ، ألا ترى أنك إذا قلت فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان بخلاف قولك : لا يقوم له أحد وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد تقول ليس في الدار أحد فيكون قد شمل عموم المخلوقين من الدواب والطير والوحش والإنس فيعم الناس وغيرهم بخلاف قولك ليس في الدار واحد فإنه مخصوص بالآدميين دون غيرهم قال : ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الواحد فيستعمل في الإثبات والنفي نحو «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» أي واحد و: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» و «فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ» ولا فضل لأحد على أحد. وأحد يستعمل في المذكر والمؤنث قال تعالى : «لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ» بخلاف الواحد فلا يقال كواحد من النساء بل كواحدة. قلت : ولهذا وصف به في قوله تعالى «فما منكم من أحد عنه حاجزين» بخلاف الواحد والأحد له جمع من لفظه وهو الأحدون والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه فلا يقال واحدون بل اثنان وثلاثة والأحد ممتنع الدخول في الضرب والعدد والقسمة وفي شيء من الحساب. بخلاف الواحد.

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) : من القرار أي الثبات وأصله اقررن بكسر الراء وفتحها من قررت بفتح الراء وكسرها نقلت حركة الراء الى القاف

٧

وحذفت مع همزة الوصل. وفي القاموس : «وقر بالمكان يقر بالكسر والفتح قرارا وقرورا وقرّا وتقرّة ثبت وسكن كاستقرّ».

(تَبَرَّجْنَ) : بترك إحدى التاءين وأصله تتبرجن أي تتبخترن في مشيكن. وفي القاموس : «تبرجت المرأة : أظهرت زينتها ومحاسنها للأجانب».

(الْجاهِلِيَّةِ) : حالة الجهل والوثنية في بلاد العرب قبل الإسلام أو الزمن الذي تقدمه وسيأتي المزيد من بحث الجاهلية الأولى في باب الفوائد.

الاعراب :

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها) كلام مستأنف مسوق لتقرير موقف الإسلام من أزواج النبي والمرأة عامة. وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولأزواجك متعلق بقل وستأتي أسماء أزواج النبي في باب الفوائد وإن شرطية وكنتن فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها والنون علامة التأنيث والتخيير لسبر أغوار نفوسهن حتى إذا اخترن الدنيا فارقهن وجملة تردن خبر كان والنون فاعل والحياة الدنيا مفعول به وزينتها عطف على الحياة. (فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً) الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه أتى جملة طلبية وتعالين فعل أمر مبني على السكون والنون فاعل وأمتعكن مجزوم لأنه جواب الطلب وأسرحكن عطف على أمتعكن وسراحا مفعول مطلق وجميلا صفة وهذا أولى من القول بأن أمتعكن جزم لأنه جواب الشرط وما بين الشرط وجزائه

٨

معترض. (وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) الواو عاطفة وإن شرطية وكنتن فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تردن خبرها والنون فاعل تردن والله مفعول به ورسوله عطف عليه والدار الآخرة عطف أيضا والفاء رابطة وان واسمها وجملة أعد للمحسنات خبرها ومنكن حال وأجرا مفعول به وعظيما صفة.

(يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ) يا حرف نداء ونساء النبي منادى مضاف ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويأت فعل الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة ومنكن حال وبفاحشة متعلقان بيأت ويضاعف جواب الشرط مجزوم وعلامة جزمه السكون ولها متعلقان بيضاعف والعذاب نائب فاعل ليضاعف وضعفين مفعول مطلق. (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً) الواو حالية أو استئنافية وكان واسمها وعلى الله متعلقان بيسيرا ويسيرا خبر كان. (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ) عطف على ما تقدم وهو مماثل لما قبله في إعرابه وأجرها مفعول به ثان لنؤتها ومرتين نصب على المفعولية المطلق أو الظرفية الزمانية. (وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً) الواو عاطفة وأعتدنا فعل ماض وفاعل ولها متعلقان. بأعتدنا ورزقا مفعول به وكريما صفة.

(يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) لستن : ليس والتاء اسمها والنون علامة جمع الإناث وكأحد خبر لستن ومن النساء صفة لأحد وإن شرطية واتقيتن فعل ماض وفاعله وهو في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف يدل عليه ما قبله أي فانكن أعظم ويكون قوله : (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) مستأنفا لتعليل نفي المساواة ويجوز أن

٩

تكون الفاء رابطة وجملة لا تخضعن في محل جزم جواب الشرط وبالقول حال أو متعلقان بتخضعن.

(فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) الفاء للسببية ويطمع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة بالنهي والذي فاعل يطمع وفي قلبه متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومرض مبتدأ مؤخر والجملة صلة وقلن الواو عاطفة وقلن فعل أمر والنون فاعل وقولا مفعول مطلق مبين للنوع ومعروفا صفة. (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى) عطف على ما تقدم وقرن فعل أمر وقد تقدم في باب اللغة وفي بيوتكن متعلقان به ولا تبرجن نهي وتبرج الجاهلية مفعول مطلق والأولى نعت للجاهلية. (وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ) عطف على قرن في بيوتكن.

(إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) إنما كافة ومكفوفة ويريد الله فعل مضارع وفاعل وليذهب اللام للتعليل ويذهب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وجملة إنما يريد تعليل لجميع ما تقدم والجار والمجرور أي ليذهب متعلقان بيريد وعنكم متعلقان بيذهب والرجس مفعول به وأهل البيت نصب على الاختصاص للمدح أي أخص أهل البيت ولك أن تجعله منادى محذوف الأداة أو على البدل من الكاف ، واعترضه المبرد بأنه لا يجوز البدل من المخاطب ، ويطهركم عطف على يذهب وتطهيرا مفعول مطلق.

الفوائد :

١ ـ أراجيف المغرضين عن تعدد أزواج النبي :

سيطول بنا القول في هذا الصّدد لأنه أثار شكوكا لدى

١٠

المغرضين وأصحاب الهوى من المستشرقين والمشهرين بالإسلام ، فقد قالوا في معرض افتراءاتهم وأراجيفهم إن تعدد زوجات النبي مناف لشمائل النبوة ومخالف لما ينبغي أن يتسم به أصحاب الدعوة وهداة الأرواح ، وقال بعض المستشرقين ما نصه بالحرف : إن تسع زوجات لدليل على فرط الميول الجنسية ، ونسوا أو تناسوا أنه لا غضاضة على العظيم أن يحب المرأة ويشعر بمنتها وما من فطرة هي أعمق في طبائع الأحياء عامة من فطرة الجنسين والتقاء الذكر والأنثى ، نعم قد تكون الغضاضة إذا طغى هذا الحب حتى أخرج العظيم عن سواء السبيل وشغله عما هو معني به من هداية وليس أبعد به صلى الله عليه وسلم عن الاستسلام لنزوات اللذة الجنسية من أنه أوشك أن يطلق نساءه أو يخيرهن في الطلاق لأنهن طلبن إليه المزيد من النفقة ، حدث التاريخ أن أبا بكر ذهب إليه يوما يستأذن عليه فوجد الناس جلوسا لا يؤذن لأحد منهم ثم دخل أبو بكر وعمر من بعده فوجد النبي جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا فأراد أبو بكر أن يقول شيئا يسرّي عنه فقال : يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة!! سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك النبي وقال : هن حولي ، كما ترى ، يسألنني النفقة ، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها ، وقام عمر الى حفصة يجأ عنقها ، ويقولان : تسألن رسال الله ما ليس عنده؟ فقلن : والله لا نسأل رسول الله شيئا ليس عنده ، ثم اعتزلهن الرسول شهرا أو تسعة وعشرين يوما نزلت بعدها الآية التي فيها التخيير وهي «يا أيها النبي قل لأزواجك» الآية. فبدأ الرسول بعائشة فقال لها : يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك ، قالت : وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية ، قالت : أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ، ثم خيّر نساءه كلهن فأجبن كما أجابت عائشة وقنعن بما هن

١١

فيه من معيشة كان كثير من زوجات المسلمين يظفرن بما هو أنعم منها فعلام يدل هذا؟ لو شاء النبي لأغدق عليهن النعمة ولأغرقهن بتهاويل الزينة وتعاجيب الحلي وأطايب اللذات ، وهل هذا الصدوف عن ذلك فعل مستسلم للذات الحسية المتهالك على حب النساء؟ ولما بنى بأولى زوجاته ـ خديجة ـ لم تكن لذات الحسن هي التي سيطرت على هذا الزواج ولا الباعثة عليه لأنه نبى بها وهي في نحو الأربعين وهو في نحو الخامسة والعشرين ونيف على الخمسين وأوتي الفتح المبين وليس له من زوجة غيرها ولم تبدر عنه أية رغبة في الزواج بأخرى.

قالت له عائشة مرة : هل كانت خديجة إلا عجوزا بدّلك الله خيرا منها فقال لها مغضبا : لا والله ما أبدلني الله خيرا منها : آمنت بي إذ كفر الناس وصدقت إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء.

ولو كانت لذات الحسن هي التي سيطرت على زواج النبي بعد بعد وفاة خديجة لكان الأحجى بإرضاء هذه اللذات أن يجمع إليه تسعا من الفتيات الأبكار اللائي اشتهرن بفتنة الجمال في مكة والمدينة وشبه الجزيرة العربية فيسرعن إليه راضيات فخورات وأولياء أمورهن أرضى منهن وأفخر بهذه المصاهرة التي لا تسمو إليها مصاهرة ، بيد أن محمدا لم يتزوج بكرا قط غير عائشة ولم يكن زواجه بها مقصودا في بداية الأمر حتى رغبته فيه خولة بنت حكيم التي عرضت عليه الزواج بعد وفاة خديجة.

قالت عائشة : لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون للنبي : أي رسول الله ألا تتزوج؟ قال : من؟

١٢

قالت : إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا قال : فمن البكر؟ قالت : بنت أحبّ الناس إليك عائشة بنت أبي بكر قال : فمن الثيب؟ قالت : سودة بنت زمعة آمنت بك واتبعتك.

ثم كانت سودة هي أولى النساء اللاتي بنى بهن بعد وفاة خديجة وكان زوجها الأول ـ ابن عمها ـ قد توفي بعد رجوعه من الهجرة الى الحبشة وكانت هي من أسبق النساء الى الإسلام فآمنت وهجرت أهلها ونجا بها زوجها الى الحبشة فرارا من إعنات المشركين له ولها فلما مات لم يبق لها إلا أن تعود الى أهلها فتصبأ وتؤذى أو تتزوج بغير كفء فضمها النبي إليه حماية لها وتأليفا لأعدائه من آلها وكان غير هذا الزواج أولى به لو نظر الى لذات حسن ومال الى متاع.

وكان للنبي زوجة أخرى اتسمت بالوضاءة والحداثة والغضاضة وهي زينب بنت جحش ابنة عمته التي زوجها زيدا بن حارثة بأمره وعلى غير رضى منها لأنها أنفت ـ وهي ما هي في الحسب والقرابة الى رسول الله ـ من أن يتزوجها غلام عتيق ، هذه أيضا لم يكن للذات الحسن سلطان في بناء النبي بها بعد تطليق زيد إياها وتعذر التوفيق بينهما وستأتي قصتها كاملة مدعومة بالتحليل التام لها.

أما سائر زوجاته فما من واحدة منهن إلا كان لزواجه بهن سبب من المصلحة العامة.

إجمال أسماء زوجاته :

قال ابن الكلبي : إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج خمس عشرة امرأة ودخل بثلاث عشرة وجمع بين احدى عشرة وتوفي عن تسع ؛ فأولهن خديجة

١٣

بنت خويلدو كانت قبله تحت عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ومات عنها وتزوجها بعده أبو هالة بن زرارة بن النباش التميمي فولدت له هند ثم مات عنها وتزوجها بعده النبي فولدت له ثمانية :القاسم والطيب والطاهر وعبد الله وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.

فأما الذكور فماتوا وهم صغار وأما الإناث فبلغن ونكحن وولدن ولم يتزوج على خديجة أحدا وكان موتها قبل الهجرة بثلاث سنين ، ثم بعدها سودة بنت زمعة وقيل عائشة وكانت بنت ست سنين فدخل بها في المدينة وهي ابنة تسع ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة وماتت سنة ثمان وخمسين ، وأما سودة فكانت امرأة ثيبا وكانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبد شمس ومات عنها فخلف عليها رسول الله ودخل بها بمكة ، ثم تزوج بعدها حفصة بنت عمر بن الخطاب وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي وكان بدريا وماتت بالمدينة في خلافة عثمان ، ثم تزوج بعدها أم سلمة ابنة أبي أمية المخزومية وكانت قبله تحت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي شهد بدرا وأصابته جراحة يوم أحد فمات عنها فتزوجها رسول الله قبل الأحزاب ، ثم تزوج زينب بنت خزيمة من بني عامر بن صعصعة ويقال لها أم المساكين وتوفيت في حياته ولم يمت غيرها وغير خديجة في حياته وكانت زينب قبله تحت الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب ، ثم تزوج جورية ابنة الحارث بن أبي ضرار الخزاعية من بني المصطلق وكانت تحت مالك بن صفوان ، ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش وكان من مهاجرة الحبشة فتنصر ومات بها فأرسل رسول الله الى النجاشي فخطبها عليه وتزوجها وهي بالحبشة وساق النجاشي المهر لها عن رسول الله وماتت في خلافة أخيها معاوية ، ثم تزوج زينب بنت جحش (وستأتي قصتها) ثم تزوج عام

١٤

خيبر صفية بنت حيي بن أخطب ، ثم تزوج ميمونة ابنة الحارث الهلالية وكانت قبله تحت عمير بن عمرو الثقفي فمات عنها وخلف عليها أبو زهير بن عبد العزى ثم رسول الله وهي خالة ابن عباس وخالد بن الوليد ، ثم تزوج امرأة من بني كليب يقال لها شاة بنت رفاعة وقيل سنا بنت الصلت وقيل ابنة الصلت بن حبيب توفيت قبل أن يدخل بها وقيل الشنباء دخل بها ومات ابنه ابراهيم فقالت لو كان نبيا ما مات ولده فطلقها ، ثم تزوج غزية بنت جابر الكلابية ، قال ابن الكلبي : غزية هي أم شريك فلما قدمت على النبي وأراد أن يخلو بها استعاذت منه فردها ، ثم تزوج العالية ابنة ظبيان فجمعها ثم فارقها ، ثم تزوج قتيلة ابنة قيس أخت الأشعث فتوفي عنها قبل أن يدخل بها فارتدت ، ثم تزوج فاطمة ابنة الضحاك وقيل تزوج خولة ابنة الهذيل بن هبيرة ، وليلى ابنة الحطيم عرضت نفسها عليه فتزوجها وفارقها.

قال ابن الكلبي : أما من خطب النبي من النساء ولم ينكحها فأم هانىء بنت أبي طالب خطبها ولم يتزوجها وضباعة ابنة عامر من بني قشير وصفية بنت بشامة الأعور العنبري وأم حبيبة ابنة عمه العباس فوجد العباس أخا له من الرضاعة فتركها وجمرة ابنة الحارث ابن أبي حارثة خطبها فقال أبوها بها سوء ولم يكن بها وجع فرجع إليها فوجدها قد برصت.

وأما سرارية فمارية ابنة شمعون القطبية ولدت له ابراهيم وريحانة ابنة زيد القرظية وقيل هي من بني النضير وأخرى وهبتها له زينب بنت جحش واسمها نفيسة والرابعة أصابها في بعض السبي ولم يعرف اسمها.

١٥

وفي المواهب رواية أخرى تختلف فيها الأسماء بعض الاختلاف ويطول بنا القول لو نقلناها فليرجع إليها من يشاء.

وكان إعزاز من ذلوا بعد عزة سنة النبي في معاملة جميع الناس ولا سيما النساء اللاتي تنكسر قلوبهن في الذل بعد فقد الحماة والأقربين ، ولهذا خيّر صفية الإسرائيلية سيدة بني قريظة بين أن يلحقها بأهلها وأن يعتقها ويتزوج بها فاختارت الزواج منه.

هذا وتتكشف لنا مراجعة الحياة الزوجية لمحمد عليه الصلاة والسلام عن أسباب حفزته الى الزواج بهن واستجماع لهذا العدد منهن ولا حرج على رجل قويم الفطرة أن يلتمس المتعة في زواجه ، ولكن الواقع أن المتعة لم تكن قط مقدّمة في الاعتبار عند نظر النبي في اختيار واحدة من زوجاته قبل الدعوة أو بعدها أو بعد تجاوز الكهولة وانما كان الاختيار كله على حسب حاجتهن إلى الإيواء الشريف أو على حسب المصلحة الكبرى التي تقضي باتصال الرحم بينه وبين سادات العرب وأساطين الجزيرة من أصدقائه وأعدائه لا استثناء في هذه الخصلة لزوجة واحدة بين جميع زوجاته حتى التي بنى بها فتاة بكرا موسومة بالجمال وهي السيدة عائشة.

٢ ـ الجاهلية الأولى :

اختلف الناس في الجاهلية الأولى وأصح ما قيل أنهما جاهليتان أولى وأخيرة ؛ فالأولى هي القديمة ويقال لها الجاهلية الجهلاء وهي تمتد الى أبعد الآماد والجاهلية الأخيرة تمتد من منتصف القرن الخامس الميلادي ، وفي الجاهلية الأولى كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي في منتصف الطريق تعرض نفسها على الرجال فنهين عن ذلك.

١٦

(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥) وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٣٧))

الاعراب :

(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ) الواو عاطفة

١٧

واذكرن فعل أمر والنون فاعل وما مفعول به وجملة يتلى صلة ويتلى فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر يعود على ما وفي بيوتكن متعلقان بيتلى ومن آيات الله حال والحكمة عطف على آيات الله.

(إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً) ان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر يعود على الله ولطيفا خبرها الأول وخبيرا خبرها الثاني.

(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) كلام مستأنف مسوق لخطاب النساء بما يخاطب به الرجال من شئون الهداية والتعليم السامية فقد قالت أزواج النبي إن الله ذكر الرجال في كتابه ولم يذكر النساء بخير فنزلت. وان واسمها وما بعدها عطف على الاسم الى قوله والذاكرات وليس فيها ما يستدعي التنبيه سوى قوله فروجهم فهو مفعول به للحافظين وكذلك قوله والذاكرين الله فلفظ الجلالة مفعول به للذاكرين وجملة أعد خبر إن والله فاعل أعد ولهم متعلقان بأعد وأجرا مفعول أعد وعظيما صفة.

(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) الواو استئنافية والكلام مسوق للشروع في قصة عبد الله بن جحش وأخته زينب وزيد بن حارثة وسيأتي بحث مسهب عنها في باب الفوائد. وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولمؤمن خبر كان المقدم ولا مؤمنة عطف على لمؤمن وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وقضى الله ورسوله صلة والجواب محذوف يدل عليه النفي المتقدم ولك أن تجعل إذا للظرفية المحضة فتتعلق بالاستقرار الذي

١٨

تعلق به خبر كان وأن يكون مصدر مؤول هو اسم كان ولهم خبر يكون المقدم والخيرة اسمها المؤخر وذكر يكون لأن المؤنث مجازي وقرىء بالتاء ومن أمرهم حال من الخيرة والخيرة مصدر تخير كالطيرة من تطير وجمع الضمير في أمرهم وفي لهم لوقوعهما في سياق النفي وقد تقدم أن النكرة إذا وقعت في سياق النفي دلت على العموم ليشمل كل مؤمن ومؤمنة كما غلب المذكر على المؤنث. (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) الواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ ويعص فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة وفاعل يعص مستتر تقديره هو يعود على من ولفظ الجلالة مفعول به ورسوله عطف عليه والفاء رابطة للجواب لأنه اقترن بقد وضل فعل ماض وفاعله مستتر أيضا وضلالا مفعول مطلق ومبينا صفة.

(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ) عطف على ما سبق وإذ ظرف لما مضى متعلق باذكر مقدرا وجملة تقول في محل جر بإضافة الظرف إليها وللذي متعلقان بتقول وجملة أنعم الله عليه صلة وأنعمت عليه عطف على الصلة وجملة أمسك مقول القول وعليك متعلقان بمحذوف حال كما قيل في اللام في سقيا لك وإما متعلقان بأمسك على حذف مضاف أي أمسك على نفسك وزوجك مفعول به واتق الله عطف على أمسك. (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) الواو واو الحال أو للعطف وفي نفسك متعلقان بتخفي وما مفعول به والله مبتدأ ومبديه خبر والجملة صلة ما. (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) الواو حالية أو عاطفة أيضا وتخشى الناس فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والواو عاطفة أو حالية والله مبتدأ وأحق خبر وأن وما في حيزها مصدر مؤول في محل رفع بدل اشتمال من

١٩

اسم الله وقد تقدم هذا الاعراب في سورة التوبة ونزيد هنا أنه يجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض متعلق بأحق واختار أبو البقاء وجها ثالثا وهو أن يكون أن تخشوه مبتدأ وأحق خبره مقدم عليه والجملة خبر عن اسم الله.

(فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها) الفاء استئنافية ولما ظرفية حينية أو رابطة متضمنة معنى الشرط وقضى زيد فعل وفاعل ومنها متعلقان بقضى ووطرا مفعول به وزوجناكها فعل ماض وفاعل والكاف مفعول به أول والهاء مفعول به ثان والجملة لا محل لها. وقضاء الوطر في اللغة بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء. (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً) اللام حرف جر للتعليل وكي حرف مصدري ويكون فعل مضارع منصوب بكي والمصدر المؤول في محل جر باللام والجار والمجرور متعلقان بزوجناكها على أنه تعليل للتزويج وعلى المؤمنين خبر يكون المقدم وحرج اسمها المؤخر وفي أزواج أدعيائهم صفة لحرج. (وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) كان واسمها وخبرها والجملة معترضة أو معطوفة على ما تقدم.

الفوائد :

وعدناك ببسط القول في قصة زواج زيد بن حارثة بزينب بنت جحش وبرا بالوعد ودحضا للأراجيف التي أثارها المتشككون والذين في قلوبهم مرض وهوى نقول : تقدم القول في ترجمة زيد بن حارثة وأن النبي صلى الله عليه وسلم زوجه زينب بنت جحش وكان قد خطبها عليه فكره عبد الله وزينب ذلك لظنهما قبل ذلك أن النبي خطبها لنفسه ثم

٢٠