🚘

إعراب القرآن الكريم وبيانه - ج ٤

محيي الدين الدرويش

إعراب القرآن الكريم وبيانه - ج ٤

المؤلف:

محيي الدين الدرويش


الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥١٠
🚘 نسخة غير مصححة

١

٢

٣
٤

(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢))

اللغة :

(العدوة) بضم العين ويجوز كسرها وفتحها : شط الوادي وشفيره ، سسيت بذلك لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوزها ، أي منعته ، وفي مختار الصحاح : العدوة بضم العين وكسرها : جانب الوادي وحافته ، وقال أبو عمرو : هي المكان المرتفع.

(الدنيا والقصوى) تأنيث الأدنى والأقصى ، وجاءت إحداهما بالياء والثانية بالواو مع أن كلتيهما فعلى من بنات الواو لأن القياس قلب الواو ياء كالعليا ، وأما القصوى كالعود في مجيئه على الأصل

٥

وقد جاءت القصيا إلا أن استعمال القصوى أكثر ، هذا والعدوة الدنيا مما يلي المدينة ، والقصوى مما يلي مكة.

(الرَّكْبُ) في القاموس : والركب ركبان. الإبل وهو اسم جمع لراكب أو جمع له وهم العشرة فصاعدا وقد يكون للخيل والجمع أركب وركوب.

الاعراب :

(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) أن وما في حيزها سدت مسد مفعولي اعلموا وما موصولة ولذلك نصبت في الرسم من ، ولكن ثبت وصلها في خط بعض المصاحف وثبت فصلها في بعضها الآخر ، وهي اسم أن ، وجملة غنمتم صلة ومن شيء في محل نصب حال من عائد الموصول المقدر والمعنى : ما غنمتموه كائنا من شيء أي قليلا كان أو كثيرا. (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) الفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وفتحت همزة «أن» لأنها وما في حيزها خبر مبتدأ محذوف تقديره فحكمه أن لله خمسه ، والجار والمجرور خبر أن المقدم وخمسه اسمها المؤخر والتقدير : فإن خمسه لله ، ويجوز أن تكون أن وما في حيزها مبتدأ خبره محذوف تقديره فحق أو فواجب أن لله خمسه ، وللرسول وما بعده عطف على قوله لله وسيأتي في باب الفوائد تفصيل القسمة. (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ) إن شرطية وكنتم فعل الشرط والجواب محذوف تقديره فاعلموا ذلك ، وجملة آمنتم خبر كنتم وبالله جار ومجرور متعلقان بآمنتم وما عطف على الله وجملة أنزلنا صلة

٦

وعلى عبدنا جار ومجرور متعلقان بأنزلنا ويوم الفرقان ظرف متعلق بأنزلنا أيضا والمراد به يوم بدر الفارق بين الحق والباطل. (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) الظرف بدل من الظرف الأول ، وجملة التقى الجمعان مضافة للظرف (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وقدير خبره وعلى كل شيء جار ومجرور متعلقان بقدير. (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى) الظرف بدل من يوم الأول أو الثاني وأنتم مبتدأ وبالعدوة خبر والجملة مضافة للظرف والدنيا صفة للعدوة وهم بالعدوة القصوى عطف على سابقتها. (وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) الواو حالية من الظرف وهو قوله «بالعدوة القصوى» ويجوز أن تكون عاطفة على «أنتم» لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم ، والركب مبتدأ وأسفل نصب على الظرف في محل رفع على الخبرية وسيأتي مزيد بحث له في باب الفوائد. ومنكم جار ومجرور متعلقان بأسفل لأنه في الأصل اسم تفضيل استعمل بمعنى صفة لمكان محذوف أقيم مقامه ، وللزمخشري فصل في تعليل هذا التوقيت ، وذكر مراكز الفريقين سنورده في باب الفوائد لأنه بلغ الذروة في التنقيب عن أسرار الكتاب العزيز. (وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ) الواو عاطفة ولو شرطية وهي الدالة على الامتناع وتواعدتم فعل الشرط واللام الرابطة واختلفتم جملة لا محل لها لأنها جواب الشرط وفي الميعاد متعلق باختلفتم ، أي امتنع اختلافكم في موعد الخروج الى القتال لامتناع تواعدكم وإعلام بعضكم بعضا بالخروج للقتال لأنكم قد تضعفون عند ما تعلمون شكيمتهم ومنعة مكانهم مما يؤيد فصل الزمخشري البديع. (وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً) لكن حرف استدراك مهمل وليقضي اللام للتعليل وهي مع مجرورها المؤول متعلقان بمحذوف أي جمعكم بغير ميعاد والله فاعل وأمرا مفعول به ، وجملة كان مفعولا

٧

صفة لأمرا وكان واسمها المستتر وخبرها. (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) يجوز تعليق ليهلك بما تعلق به ليقضي أي فهو بدل منه ، ويجوز أن يتعلق بمفعولا ، ويهلك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل ومن اسم موصول فاعل وجملة هلك صلة وعن بينة حال.

(وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) عطف على الجملة السابقة ، وحي أصلها حيي أدغمت الياء بالياء. (وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وسميع خبر أول لإن وعليم خبر ثان.

البلاغة :

في قوله : «إذ أنتم بالعدوة الدنيا» الى قوله : «ويحيا من حي عن بينة» فن الاستدراك فإن الحق سبحانه أخبر عن الأمر الواقع بخبر أخرجته الفصاحة مجرى المثل ، وذلك أن الرسول صلّى الله عليه وسلم لما أخبرته عيونه بقفول ركب قريش من الشام الى مكة على الجادة المعروفة التي لا بد لسالكها من ورود «بدر» ، أمر أصحابه بالخروج وخرج معهم يريد العير ، وكان وعد الله قد تقدم له بإحدى الطائفتين ، إما العير وإما النفير ، وبلغ أبا سفيان ، وهو على الركب ، خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر الركب أن يأخذ على سيف البحر ، ومضى أبو سفيان على وجهه لمكة ، فاستنفر قريشا ، فخرجوا الى بدر ليشغلوا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تتبّع العير ، فصادفوه ببدر ، وهو يظن أن الركب يمر على بدر ، فوقعت اللقيا من غير ميعاد ، فأخبر الله سبحانه بموضع المسلمين من بدر وموضع المشركين منه بقوله : «إذ أنتم بالعدوة الدنيا» أي القريبة ، «وهم بالعدوة القصوى» :

٨

أي البعيدة ، «والركب أسفل منكم» لأن سيف البحر في غور ، وبدر في نجد بالنسبة إليه ، وأراد أن يخبر عن وقوع اللقاء بغير ميعاد ، وعدل عن لفظ المعنى الى لفظ الارداف فلم يقل فالتقوا من غير ميعاد ، بل قال : «ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد» لخروج لفظ الإرداف مخرج المثل ليكون أسير وأشهر ولو وقع الاقتصار على هذا المقدار لاحتمل أن يقال : فما الحكمة في حرمان الله رسوله والمسلمين هذه الغنيمة الباردة لأجل منها. وهي فتح مكة واستئصال أموال أهلها ، فإن اختياره لهم لقاء النفير دون العير ليقتل حماة مكة وصناديدها فيتمكن المسلمون من فتحها وكذلك كان ، وقد كان مراد المسلمين لقاء العير دون النفير بدليل إخباره سبحانه عنهم بذلك في قوله : «ويودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم» يعني العير ، فإن ذات الشوكة : النفير ، لأن الشوكة السلاح ، فأرادوا هم ذلك ، وأراد الله خلافه لعلمه بالعواقب ، فأوقع اللقاء من غير ميعاد لهذه المصلحة ، وأخرج الإخبار به مخرج المثل لما بينّا من فائدة ذلك ، ثم قوى دليل الكلام بذكر العلة في تقويت تلك المصلحة الظاهرة ، حيث قال بلفظ الاستدراك : «ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا» ، ثم فصل ما أجمله في الاستدراك بقوله : «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» ، فاتضح الإشكال ، وارتفع ما قدر من الاحتمال وأبان عن المعنى أحسن بيان ، فحصل في هذه الكلمات أربعة عشر نوعا من البلاغة وهي : الإيجاز ، والترشيح ، والإرداف ، والتمثيل ، والمقارنة ، والاستدراك ، والإدماج ، والإيضاح ، والتهذيب ، والتعليل ، والتنكيت ، والمساواة ، وحسن النسق ، وحسن البيان.

٩

الفوائد :

١ لم نجر في هذا الكتاب على الخوض في المسائل العلمية والفقهية إلا نادرا ، وإلا فيما له علاقة بالاعراب أو البيان ، وقد خاض العلماء كثيرا في كيفية تقسيم الخمس ونلخص آراء الأئمة بما لا يخرج عن أسلوبنا.

قسمة الخمس عند أبي حنيفة أنها كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم : سهم لرسول الله ، وسهم لذوي قرباه ، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل.

أما عند الشافعي فيقسم على خمسة أسهم : سهم لرسول الله يصرف الى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين ، كعدة الغزاة من السلاح والكراع ونحو ذلك ، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم ، والباقي للفرق الثلاث.

وأما عند مالك بن أنس فالأمر مفوض الى اجتهاد الإمام ، إن رأى قسمه بين هؤلاء ، وإن رأى أعطاه بعضهم دون بعض ، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فغيرهم. وهناك أقوال أخرى يرجع إليها في المطولات.

٢ ـ يقع الخبر ظرفا نحو «والركب أسفل منكم» ، وجارا ومجرورا نحو «الحمد لله» ، وشرطهما أن يكونا تامّين كما مثل ، فلا يجوز زيد مكافا ، ولا زيد بك ، لعدم الفائدة ويتعلقان بمحذوف وجوبا هو الخبر ، واختلف في تقديره فقيل تقديره استقر أو مستقر.

١٠

قال ابن هشام : في المغني : والحق عندي أنه لا يترجح تقديره اسما ولا فعلا بل بحسب المعنى. وقال ابن مالك في الخلاصة :

وأخبروا لظرف أو بحرف جر

ناوين معنى كائن أو استقر

وهناك ملاحظات هامة نلفت إليها الانتباه :

آ ـ يخبر بالمكان عن أسماء الذوات والمعاني نحو : زيد خلفك والخير أمامك.

ب ـ يخبر بالزمان عن أسماء المعاني فقط نحو : الصوم اليوم والسفر غدا.

ج ـ لا يخبر بالزمان عن أسماء الذوات فلا يقال : زيد اليوم ، والفرق أن الأحداث أفعال وحركات ، فلا بد لكل حدث من زمان يختص به بخلاف الذوات.

د ـ إذا حصلت فائدة جاز الإخبار بالزمان عن الذوات ، كأن يكون المبتدأ عاما والزمان خاصا ، باضافة أو وصف ، نحو : نحن في شهر كذا ، فنحن مبتدأ وهو عام لصلاحيته في نفسه لكل متكلم إذ لا يختص به متكلم دون غيره ، وفي شهر كذا خبره ، وهو خاص بالمضاف إليه ، ونحن في زمن طيب اختص بالوصف.

ه ـ وأما نحو قولهم «الورد في أيار» و «اليوم خمر» و «الليلة الهلال» ، فالتأويل فيها : خروج الورد ، واليوم شرب خمر ، والليلة رؤية الهلال ، فالإخبار في الحقيقة إنما هو عن اسم المعنى لا عن اسم الذات.

١١

٣ ـ وقد آن أن نورد فصل الزمخشري بحروفه ؛ وفيه يسمو هذا الامام الى أبعد أفق ، ويبرهن على قوة ملاحظته وسداد تفكيره قال : «فإن قلت : ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين ، وان العير كانت أسفل منهم؟ قلت : الفائدة فيه : الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وشوكته وتكامل عدته وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم وأن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعا من الله سبحانه ، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته ، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضا لا بأس بها ، ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار تسوخ فيها الأرجل «أي رخوة» ، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشفقة ، وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم ، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم ، ولهذا كانت العرب تخرج الى الحرب بظعنهم وأموالهم ليبعثهم الذّبّ عن الحريم والغيرة على الحرم على بذل جهدهم في القتال ، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز اليه فيجمع ذلك قلوبهم ويضبط همهم ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم ، ولا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدتهم ، وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر ليقضي أمرا كان مفعولا من إعزاز دينه وإعلاء كلمته حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج.

١٢

(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤))

الاعراب :

(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً) الظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر أو هو بدل ثان من يوم الفرقان ، أو متعلق بسميع عليم أي يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك. ويريكهم فعل مضارع والكاف مفعول أول والهاء مفعول ثان والله فاعل وفي منامك حال وقليلا مفعول ثالث لأن رأى الحلمية تنصب مفعولين بلا همزة فإذا دخلت عليها الهمزة نصب ثلاثة. (وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) الواو عاطفة ولو شرطية وأراكهم فعل ماض والكاف مفعول أول والهاء مفعول ثان وكثيرا مفعول ثالث ، واللام رابطة وفشلتم فعل وفاعل ولتنازعتم عطف على لفشلتم وفي الأمر جار ومجرور متعلقان بتنازعتم (وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) الواو عاطفة ولكن واسمها وجملة سلّم خبرها وإنه إن واسمها وعليم خبرها وبذات الصدور جار ومجرور متعلقان بعليم (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً) إذ بدل من الظرف قبله ويريكموهم فعل مضارع والكاف مفعول أول والميم

١٣

علامة الجمع والواو لإشباع الميم والهاء مفعول ثان وإذ متعلق بيريكموهم ، وجملة التقيتم مضافة للظرف وفي أعينكم متعلق بقليلا وقليلا حال من الهاء لأن الرؤية هنا بصرية فهي مع الهمزة تنصب مفعولين فقط. (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً) عطف على ما تقدم ، وفي أعينهم حال وليقضي لام التعليل مع مجرورها متعلقان بيقللكم لأنه علة التعليل ، وكرره لاختلاف الفعل المعلل به إذ الفعل المعلل به أولا اجتماعهم بغير ميعاد ، وثانيا تقليل المؤمنين قبل الالتحام ، ثم تكثيرهم في أعين الكفار ، أما الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين فهو ظاهر ، وأما تقليل المؤمنين في أعينهم قبل اللقاء فذلك ليجترئوا عليهم قلة مبالاة بهم ، حتى إذا فاجأتهم الكثرة بهتوا وهابوا وأسقط في أيديهم ، وجملة كان مفعولا صفة الأمر.

(وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) الواو عاطفة والى الله جار ومجرور متعلقان بترجع والأمور نائب فاعل.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧))

١٤

اللغة :

(رِيحُكُمْ) الريح : الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها فقيل : هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره ، قال سليك بن سلكة :

يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالوادي

إلا عبيد مقود بين أذواد

أتنظران قليلا ريث غفلتهم

أم تعدوان فإن الريح للعادي

فقد استعار الشاعر الريح للدولة بجامع النفوذ والأمر النافذ من كل فهي من المجاز ، وإذا هبت رياحك فاغتنمها ، ورجل ساكن الريح : وقور ، وفي القاموس والمختار : ان الريح يطلق ويراد به : القوة ، والغلبة ، والرحمة ، والنصرة ، والدولة.

(البطر) والأشر بفتحتين : الطغيان في النعمة بترك شكرها وجعلها وسيلة الى ما لا يرضاه الله ، وقيل : معناهما الفخر بالنعمة ومقابلتها بالتكبر والخيلاء بها.

(الرئاء) مصدر راءى كقاتل قتالا ، والأصل : رياء فالهمزة الأولى بدل من ياء هي عين الكلمة ، والثانية بدل من ياء هي لام الكلمة لأنها وقعت ظرفا بعد ألف زائدة.

الاعراب :

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا) إذا حرف لما يستقبل من الزمن خافض لشرطه منصوب بجوابه وجملة لقيتم مضافة وفئة

١٥

مفعول به والفاء رابطة واثبتوا فعل أمر وفاعل والجملة لا محل لها من الاعراب لأنها جواب شرط غير جازم (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) واذكروا عطف على اثبتوا وهو فعل أمر وفاعل ولفظ الجلالة مفعول به وكثيرا مفعول مطلق لأنه صفة لمصدر محذوف ويجوز إعرابه ظرفا أي وقتا كثيرا ولعلكم تفلحون : لعل واسمها وجملة تفلحون خبرها. (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) وأطيعوا عطف على اذكروا ولفظ الجلالة مفعول به ورسوله عطف عليه ولا ناهية وتنازعوا أصله تتنازعوا مجزوم بلا الناهية والفاء فاء السببية لأنها وقعت في جواب النهي وتفشلوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية وتذهب ريحكم عطف على فتفشلوا ويجوز أن تكون الواو عاطفة وتفشلوا مجزوم لأنه داخل في حكم النهي وقد قرىء بذلك.

(وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) عطف على ما تقدم وإن واسمها والظرف خبرها (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ) ولا تكونوا عطف على ما تقدم وتكونوا فعل مضارع ناقص والواو اسمها وكالذين الكاف اسم بمعنى مثل خبرها والذين مضاف إليه أو هما جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكونوا والمراد بهم أهل مكة حين خرجوا لحماية العير ، فأتاهم رسول أبي سفيان ، وهم بالحجفة ، أن ارجعوا فقد سلمت عيركم ، فأبى أبو جهل وقال حتى نقدم بئرا نشرب بها الخمور ، وتعزف علينا القيان ، ونطعم من حولنا من العرب ، فذلك بطرهم ورئاؤهم ، فوافوها ، فسقوا كأس المنايا ، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. وبطرا مصدر في موضع الحال ويجوز أن يعرب مفعولا لأجله وكذلك رئاء الناس. (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) الواو عاطفة وجملة يصدون معطوفة على بطرا أي

١٦

وصدا عن سبيل الله وانما عدل عن الاسمية الى الفعلية في الصد لأن البطر والرئاء كانا ديدنهم ودأبهم بخلاف الصد فإنه تجدد لهم في زمن النبوة والواو استئنافية والله مبتدأ ومحيط خبره وبما يعملون جار ومجرور متعلقان بمحيط.

(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩))

اللغة :

(نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ) رجع القهقرى يمشي الى ظهره قال الشاعر :

ليس النكوص على الأعقاب مكرمة

إن المكارم إقدام على الأصل

والعقب بكسر القاف وسكونها : مؤخر القدم والولد وولد الولد ، والجمع أعقاب ، وأعقاب الأمور أواخرها ، يقال : جاء عقبه وبعقبه أي خلفه ، ورجع على عقبه أي على الطريق التي جاء منها سريعا ،

١٧

ووطئ عقبه أي مشى في أثره ، وسافر على عقب الشهر أي في آخره.

الاعراب :

(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) الظرف إذ منصوب باذكر محذوفا وجملة زين مضاف إليها ولهم متعلق بزين والشيطان فاعل وأعمالهم مفعول به. (وَقالَ : لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ) وقال عطف على زين ولا نافية للجنس وغالب اسمها مبني على الفتح ولكم خبرها ومن الناس حال من الضمير في لكم لتضمنه معنى الاستقرار.

(وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) الواو عاطفة للجملة التي في حيز القول ولذلك كسرت همزتها ، وإن واسمها وجار خبرها ولكم متعلق بجار لأنها بمعنى مجير ومعين وناصر لكم ، قيل أتاهم الشيطان في صورة سراقة بن مالك سيد ناحية كنانة. (فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ) الفاء عاطفة ولما ظرف بمعنى حين أو رابطة وتراءت الفئتان فعل وفاعل ونكص عطف على تراءت والجملة لا محل لها وعلى عقبيه حال أي هاربا. (وَقالَ : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) وقال عطف على نكص وان واسمها وخبرها ومنكم جار ومجرور متعلقان ببريء والجملة مقول القول. (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) إن واسمها وجملة أرى خبرها وما مفعول به وجملة لا ترون صلة والعائد محذوف. (إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) إن واسمها وجملة أخاف الله خبرها والله مبتدأ وشديد العقاب خبر والجملة عطف على ما في حيز القول. (إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) الظرف معمول اذكر أو نكص وجملة يقول المنافقون مضافة والذين عطف على المنافقون وفي قلوبهم خبر مقدم ومرض مبتدأ مؤخر والجملة صلة (غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) الجملة مقول القول وهؤلاء

١٨

مفعول غر ودينهم فاعله ، يعني هؤلاء المنافقون ومرضى القلوب : ان المسلمين اغتروا بدينهم ، وسولت لهم أنفسهم لقاء زهاء ألف وهم لا يتجاوزون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فقال الله لهم مبكتا : (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويتوكل فعل الشرط وعلى الله متعلق بيتوكل وجواب الشرط محذوف تقديره يغلب والفاء رابطة للتعليل وان الله عزيز حكيم إن واسمها وخبراها.

(وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤))

١٩

الاعراب :

(وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ) الواو استئنافية وترى فعل مضارع وهي بصرية والفاعل مستتر تقديره أنت والمفعول به محذوف أي الكفرة أو حالهم وإذ ظرف لترى أي : ولو ترى الكفرة أو حال الكفرة حين تتوفاهم الملائكة ببدر. ولو الامتناعية تردّ الفعل المضارع ماضيا كما أن «إن» ترد الماضي مضارعا ، وجملة يتوفى مضافة والذين مفعول به والملائكة فاعل وجملة كفروا صلة ، وقد تقدم سر الحذف لجواب لو والمفعول به وقد اجتمعا هنا وتقدير الجواب : لرأيت شيئا عظيما. (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) جملة يضربون حال من الملائكة أو من الذين كفروا لأن فيهما ضميريهما ، ويجوز أن يكون فاعل يتوفى هو ضمير الله تعالى لتقدمه في قوله ومن يتوكل على الله ، وعندئذ فالملائكة مبتدأ خبره ما بعده والجملة حال من الذين كفروا وذوقوا ، معطوف على يضربون على إرادة القول أي ويقولون ذوقوا ، وعذاب الحريق مفعول به. (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ذلك رفع بالابتداء وبما قدمت خبره وما مصدرية أو موصولة وأيديكم فاعل وأن الله عطف على ما أي : ذلك العذاب بسببين : بسبب كفركم ومعاصيكم ، وبأن الله ، وجملة ليس خبر إن وبظلام الباء حرف جر زائد وظلام خبر ليس محلا وللعبيد جار ومجرور متعلقان بظلام وظلام صيغة مبالغة تفيد النسب. (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الكاف في محل رفع خبر مبتدأ محذوف أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون سواء كانت اسمية أم حرفية وآل مضاف وفرعون مضاف إليه والذين عطف على آل ومن قبلهم صلة الذين والجملة استئنافية مسوقة لبيان ما حل بهم

٢٠