(صفحه ٢١٨)
شِدَّةِ التَّأثيرِ الَّتى تَفُوتُ لَوِ اسْتُعْمِلَتِ الإصابَةُ، ولَمْ يَقُلْ: فَكَساهُمْ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ عَلَى نَهْجِ التَّرْشيحِ، لِعَدَمِ إِفادَةِ الكِسْوَةِ مَفادَ الإذاقَةِ مِن الإدْراكِ و التَّأثيرِ، واللّٰهُ أعْلَمُ.
وَ لَلَبَسْنٰا عَلَيْهِمْ مٰا يَلْبِسُونَ ١لَشَبَّهْنا عَليهِم مِثْلَ ما يُشَبِّهُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم، ف «ما» مَفْعولٌ مُطْلَقٌ، والمَعْنَى: لَوْ مَثَّلْنا المَلَكَ رَجُلاً كانَ فِعْلُنا كفِعْلِهم فى التَّلْبيسِ، و إنَّما كانَ ذلِكَ لَبْساً، لأَنَّ مَنْ رَآهُ يَظُنُّهُ مَلَكاً، وما هو بِمَلَكٍ، أَو يَظُنُّهُ بَشَراً وما هو بِبَشَرٍ، و إنَّما كانَ فِعْلُهم لَبْساً، لأَنَّهُم يَخْلِطُونَ و يُشَبِّهونَ عَلَى أَنْفُسِهِم و يَقولونَ: إنَّ البَشَرَ لا يَصْلُحُ للرِّسَالَةِ، فَلا يَنْقَطِعُ السُّؤالُ أَبَداً و يَبْقَى الأمْرُ فى حَيِّزِ الاشْتِباهِ، و يَجُوزُ أَنْ تَكونَ «ما» مَفْعولاً بهِ عَلَى أَنْ يُرادَ: ولَخَلَطْنا عَلَيْهِم ما يَخْلِطونَ عَلَى أَنْفُسِهِم، والمَعْنَى: أَنَّهُم إذا رَأَوا المَلَكَ فى صُورَةِ رَجُلٍ اشْتَبَهَ الأَمْرُ عَلَيْهم، ولَوْ فَعَلْنا ذلِكَ كانَ اللَّبْسُ مَنْسوباً إلَيْنا، واللّٰهُ أَعْلَمُ.
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ٢أَى فى اشْتِبَاهٍ و الْتِبَاسٍ مِن خَلْقٍ مُسْتَأنَفٍ، لِما فيهِ مِن مُخالَفَةِ العادَةِ، وقياسُهُم أَحْوالَ المَعادِ بِهذِهِ النَّشْأةِ الَّتى لَمْ يُشاهَدْ فيها أَنْ يَعُودَ حىٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ وتَفَرُّقِ أَجْزائِهِ.
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً٣ يَخْلِطُ أمْرَكُم عليكم، فيَجعَلُكم فِرَقاً مُختلِفى الأهواءِ، كلُّ فِرقةٍ منكم مُشايِعَةٌ لإِمامٍ، أَو يَضْرِبُ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ، بِمَا يُلْقِيهِ بَيْنَكُم مِن العَدَاوَةِ و البَغْضَاءِ، فَيَكونُ من٤ اخْتِلاطِ النَّاسِ فى القِتالِ.
وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ٥ لَمْ يَخْلِطوهُ بِشِرْكٍ، بِأنْ يُغَطُّوهُ بِالكُفْرِ، أَو
________________________________________
(١) الأنعام: ٩.
(٢) ق: ١٥.
(٣) الأنعام: ٦٥.
(٤) فى «ض»: فى بدل: من.
(٥) الأنعام: ٦٥.
![الطّراز الأوّل [ ج ١١ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4738_Taraz-Awwal-part11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
