الأمارات والأصول العملية إنّما هو في اللسان ومقام الإثبات ، وكذلك مباني الحكومة وغيرها من النتائج التي نجدها في القسم الثاني من علم الأصول. كلّ هذه النظريات منبعها وأصلها الموضوعي قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
إلّا أن هذا المنهج في مقام تحقيق واستكشاف حال البيان واللابيان لم يرتضه الأستاذ الشهيد من أساسه وذلك «لأن روح هاتين القاعدتين يرجع إلى شيء آخر وهو ما فرضه المشهور مفروغاً عنه وتكلّموا هنا في التنجيز وعدمه ، وكأنّهم تصوّروا أن هناك بابين لا علاقة لأحدهما بالآخر.
الأوّل : مولوية المولى وحق الطاعة له ، فهذا أمر واقعي لا نزاع فيه وهي حقيقة غير مشككة ومحدّدة لا تقبل الزيادة والنقصان.
الثاني : باب الحجّية والمنجزية ، وهذا مرتبط بالبيان والقطع وعدمهما ، ورتّبوا على ذلك هاتين القاعدتين ، ووقَعوا فيما وقَعوا فيه.
إلّا أن هذا المنهج غير صحيح ويجب أن يتغيّر من أساسه ؛ لأنّ روح البحث في القاعدتين يرجع إلى تلك المولوية التي فرضوها أمراً ثابتاً ، بل لا بدّ من القول : إنّ هذه المولوية هي أمر قابل للتشكيك والزيادة والنقصان في حدودها ، لأن المنجزية وعدمها وقبح العقاب وعدمه إنّما يدوران مدار حق الطاعة للمولى.
إذن ففي الرتبة السابقة على حجّية القطع إمّا أن نفرض أننا نتكلّم في القطع بأحكام المولى ، وإما أن نفرض أننا نتكلّم بأحكام إنسان ليس بمولى ، ونريد بالقطع تثبيت مولويته وحقّه. ومن الواضح أنّ مجرّد القطع بصدور تكليف من مثل هذا الإنسان لا يجعله مولى ، ولا يحقّق حقّ الطاعة له على شخص آخر ، وإنّما الكلام على الفرض الأوّل ، فحينئذٍ لا بدّ من ملاحظة تلك المولوية الثابتة في الدرجة السابقة المعترف بها قبل الدخول في بحث حجية القطع سعةً وضيقاً ؛
