فحملت جذوة منها وأحرقت زرعا أو حطبا أو غير ذلك للآخرين.
ثم أن قضية التفريط لا ربط لها فيما نحن فيه لأنها متفرعة على وجوب الحفظ وقد أوضحنا حاله في آخر النوع الثاني ، وبالجملة لا ريب أنه لا يجب على المسلم حفظ مال غيره ، ولو وجب لكان كل مسلم عاصيا لتركه هذا الواجب لكثرة أموال المسلمين المفتقرة إلى من يحفظها. نعم ثبت وجوب حفظ الأمانات ، وثبت وجوب ضمان الأمين مع التعدي أو التفريط ، ولا يسوغ التعدي منها إلى غيرها بدون دليل. ومن المعلوم أن الأصول تنفي الوجوب والضمان. ثم أنه لا ملازمة بين وجوب الحفظ والضمان. كما أوضحناه في النوع الثاني ومثلنا له بتعمد ترك إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق.
ثانيها : ما حكاه في الجواهر عن المسالك : من أن سببيته في الإتلاف ضعيفة بالإذن له من قبل الشارع في فعل ذلك في ملكه فلا يتعقبه ضمان.
وفيه أنه أن رجع إلى ما ذكره في الجواهر ففيه ما فيه ، وإلا فلا نعرف له محصلا آخر ، وبالجملة نحن نسلم أنه مسلط على ماله ونسلم أن تصرفه شرعي ، ونحن نسلم أنه لو لم يفعل ما فعله لم يتضرر من تضرر ونسلم أيضا أن مقتضى الأصل البراءة ، ولكن الكلام في أن مثل هذا النوع من التسبيب موجب للضمان أو لا ..
فالأولى الاستدلال لعدم الضمان بالأصل بعد عدم الدليل ، وبعد عدم ثبوت قاعدة التسبيب وقاعدة من أتلف ومضافا إلى عدم صحة نسبة الإتلاف إليه بنظر العرف.
ثالثها : إن مقتضى الأصول عدم الضمان مطلقا ، خرج منه موردان بالإجماع ، أحدهما مباشرة الإتلاف. وثانيهما : التسبب الذي هو في قوة المباشرة. وضابطه : أن لا يتوسط بين السبب والمسبب إرادة فاعل مختار ، ولا أمور كونية تمنع من صحة إسناد الإتلاف للمسبب إسنادا حقيقيا بنظر العقلاء ، وما نحن فيه ليس داخلا في شيء من ذلك ، ولم يرد فيه نص خاص.
إن قلت : قد ثبت الضمان شرعا في موضعين ، وهما نظير ما نحن فيه.
