وابن بحر يذهب إلى الجحد في : «وما أنزل» (١) ويصرف : «ويتعلّمون منهما» إلى السحر والكفر ، إذ تقدّم الدليل عليهما وهو : «ولكنّ الشياطين كفروا».
ـ وإنما دعاه إلى ترك الظاهر ومخالفة من يقدمه تحاشيا من إضافة السحر إلى الملائكة ، وأنّه إضافة القبيح وإنزاله إلى الله.
ولم يحضره أنّ تعليم القبيح والاجتناب عنه واجب ، وأنّ علمه لا يناسب العمل.
__________________
(١) الذي نقله الرازي وأبو حيان عن أبي مسلم أنه قال : إنّ «ما» موصول بمعنى الذي ، وموضعه جرّ عطفا على : «ملك سليمان» ، وتقديره : ما تتلو الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين. وقال الفخر الرازي : وأنكر أبو مسلم في الملكين أن يكون السحر نازلا عليهما ، واحتجّ بوجوه :
الأول : أنّ السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزّله هو الله تعالى ، وذلك غير جائز ؛ لأنّ السحر كفر وعبث ، ولا يليق بالله إنزال ذلك.
الثاني : أنّ قوله تعالى : (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) يدلّ على أنّ تعليم السحر كفر ، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلّمون السحر لزمهم الكفر ، وهو باطل.
الثالث : كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر ، فكذلك في الملائكة بطريق الأولى.
الرابع : أنّ السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة ، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعّد بعمله بالعقاب. ثم قال : ثم إنّه رحمهالله ـ أي أبا مسلم ـ سلك في تفسير الآية نهجا آخر يخالف قول أكثر المفسرين ، فقال : كما أنّ الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان ، مع أنّ سليمان كان مبرّأ عنه فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر ، مع أنّ المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر ، وذلك لأنّ المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير ، وإنما كانا يعلمان الناس ذلك في قولهما : «إنما نحن فتنة فلا تكفر» توكيدا لبعثهم على القبول والتمسك ، وكانت طائفة تتمسك ، وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك ، ويتعلمون منهما ، أي : من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه.
![وضح البرهان في مشكلات القرآن [ ج ١ ] وضح البرهان في مشكلات القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4301_wazah-alburhan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
